عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

فنون

أحمد محمد حسين

الكيت كات.. بين داود عبد السيد وإبراهيم أصلان

2026.01.18

الكيت كات.. بين داود عبد السيد وإبراهيم أصلان

 

كتب إبراهيم أصلان رواية «مالك الحزين» في 9 سنوات تقريبًا (بين 1972 و1981)، ورغم كونها روايةً صغيرةً الحجم نسبيًّا (170 صفحة)، ورغم أنَّ أحداثها تدور في يوم أو يومين فقط، فإنَّها تحمل عددًا كبيرًا من الشخصيات، وكثيرًا من التفاصيل عن تاريخ هذه الشخصيات، وعلاقتها بتاريخ الكيت كات وإمبابة، وعلاقتهم ببعضهم البعض، وبما يحدث حولهم من تغيُّرات سياسية واجتماعية، ورغم اشتباكهم مع هذه الأحداث، فإنَّهم لا يتخلون عن تفاصيلهم الإنسانية شديدة البساطة التي يبرزها إبراهيم أصلان ببراعة شديدة.

هذه التفاصيل انتقلت مع داود عبد السيد إلى فيلم «الكيت كات» عام 1991، بعد تفكيك الرواية وإعادة تركيبها بما يتناسب مع أفكار داود عبد السيد، دون الإخلال بأساس الرواية. ساعده في ذلك إدراكه للفارق بين الوسيطَين السينمائي والأدبي، والاختلاف بين اللغتين. فما الذي تغيَّر بين الرواية والفيلم؟

قبل أن نجيب، عليك أن تعرف أنَّ السطور المقبلة تحمل حرقًا لأحداث العملين، لذا إن كنت لا تريد لأحدهما هذا المصير فيمكنك التوقُّف عند هذا الحد، وإذا كنت لا تهتم بفكرة الحرق، فنتمنى أن تجد ما يسرُّك في السطور المقبلة.

الشخصيات وأسلوب السرد

تبدأ الرواية بعد المساء الذي «جاء مبكرًا»، في صفحاتها الأولى، يقدِّم أصلان عددًا كبيرًا من الشخصيات يقترب عددهم من 30 شخصية، أغلبهم يتحدَّثون في الرواية عن وجهة نظرهم فيما يحدث حولهم، كلٌ بلغته الخاصة ورؤيته وصوته المتفرد، خصوصًا شخصية «يوسف النجار» الشاب الذي يبحث عن عمل، بضجر شديد وبلا أمل في التغيير، مُثقِلًا كتفيه بالهموم والأفكار، يتحرَّك بين الناس في إمبابة والكيت كات بهدوء شديد، وبداخله بركان من المشاعر التي يحاول التعبير عنها في مونولوجات طويلة داخلية.

يُعتبر يوسف النجار شخصيةً رئيسيةً في رواية بلا شخصيات رئيسية، لكنه يأخذ دورًا يشبه دور الراوي الرئيسي، بينما يتشارك هذا المركز مع الشيخ حسني في الفيلم، بل ويلعب دور ابنه، رغم أنهما لا يتحدثان مع بعضهما البعض في أي مشهد من مشاهد الرواية تقريبًا، والشيخ حسني في الرواية ليس شخصية رئيسية، وإنما إحدى شخصياتها، لكنها حقًّا شخصية متفردة للغاية لن تخطئها عينُ كلِّ مَن يقرأ الرواية.

في حوارٍ عبر الهاتف مع المخرج داود عبد السيد ، أخبرنا بأنَّ تحويل العمل الروائي إلى دراما سينمائية يحتاج إلى صراع، سواء أكان صراعًا داخليًّا وجوديًّا أم صراعًا خارجيًّا ماديًّا، لذلك اختار تيمة العجز بوصفها تيمةً رئيسيةً للأحداث في الفيلم.. الشيخ حسني عاجز ولديه صراع وجودي مع العمى، ويوسف يصارع كي يتخطَّى عجزه وإحباطه ويسافر إلى الخارج لكنه يعجز تمامًا عن ذلك، فكيف يمكنه خلق الأهداف والعقبات في فيلم مأخوذ عن رواية تُقدِّم صورة بانوراماية للعديد من الشخصيات - شيء أقرب للبورتريه الشخصي- وتخلق بين هذه الشخصيات صلات قوية أكبر من مجرد التجاور والسكن في المنطقة ذاتها؟

تخلَّى الفيلم عن الكثير من الشخصيات التي ظهرت في الرواية، مثل «الأسطى قدري الإنجليزي»، الذي ظلَّ يعمل مع الإنجليز طيلة حياته وتتطبّع بطابعهم، حتى إنَّه يعشق روايات ومسرحيات شكسبير، ويردد حوارات أبطاله، حيث كان بطلًا لعدد من هذه المسرحيات أثناء دراسته الجامعية. بالإضافة إلى «العم عمران» طباخ الملك فاروق الذي أصبح صديقًا للعم مجاهد الذي توفي في الصفحات الأولى من الرواية. وغيرهم من الشخصيات مثل الجاويش عبد الحميد، وصبي القهوة عبد الله، الذي يشعر بمأساة شديدة عند علمه ببيع القهوة، والأمير عوض الله صاحب القهوة القديم، الذي شاهدها وهي تباع من مشترٍ إلى آخر دون فعل شيء.

أما الفيلم، فخلق علاقات وصلات بين الشخصيات التي اختارها من الرواية، فبدلًا من أن يكون الشيخ حسني أحد جيران يوسف أصبح أباه. يوسف يريد السفر وأبوه لا يستطيع توفير المبلغ المناسب للسفر؛ بسبب حبه الشديد للحشيش والمزاج، فيبيع البيت للهَرَم. الهَرَم يريد الهرب من الضابط الذي يراقبه فيلجأ إلى فتحية وزوجها. وهناك أيضًا فاطمة التي تحب يوسف وتريده لكنه لا يستطيع إقامة علاقة معها بسبب عجزه النفسي وخوفه.

على الجانب الآخر يوجد سليمان الصايغ، الذي يعجز هو الآخر عن إقامة علاقة إنسانية قوية مع زوجته روايح فتتركه وتهرب، فيلجأ إلى الشيخ حسني.

هذه الدائرة وغيرها من العلاقات المتشابكة والمترابطة هي ما خلقت الصراع داخل الفيلم، فجعلت المشاهدين مترقبين نتائج هذه التداخلات والصراعات.

وفيما يخص أسلوب السرد، اختار إبراهيم أصلان سردًا لا خطيًّا معقدًا قليلًا في التعامل مع الشخصيات، حيث أعطى عددًا كبيرًا منها مساحة للتعبير عن نفسها وأفكارها وأحلامها، وبما أنَّ الأحداث تدور في يوم واحد تقريبًا، فأغلب شخصيات الرواية تتحدَّث عن الأحداث نفسها تقريبًا بوجهات نظرٍ مختلفة. لكن داود عبد السيد لن يتمكَّن من حصر كل تلك الشخصيات في مساحة زمنية ضيقة (ساعة ونصف الساعة أو ساعتين)، فاختار تقليل عدد الشخصيات لأنَّ الوسيط السينمائي لن يسمح بكل هذه الشخصيات والتنقلات الكثيرة جدًّا بينها، مما قد يُرهق المشاهدين فيفقدون حماسهم لمتابعة الأحداث.

الطريق إلى الذروة

في الرواية يجمع إبراهيم أصلان قطع البازل من كلمات الشخصيات المختلفة كي تكتمل الصورة، جميع الأحداث الصغيرة التي تحدث في شوارع الكيت كات وإمبابة ستتقاطع في النهاية بشكلٍ أو بآخر. منذ الصفحات الأولى في الرواية تتحدَّث الشخصيات عن إقامة عزاء للعم مجاهد، الذي سيحكي فيه العم عمران قصصًا مختلفة عن أسرار أهل الحارة ويفضحهم، وهذا هو الحدث الأول من ثلاثة أحداث تظهر في ذروة الرواية.

الحدث الثاني هو بيع القهوة، بما يمثل إغلاقًا للملاذ الخاص بالجميع، المكان الذي يجتمعون فيه ليتحدَّثوا عن مآسيهم وأحداث حياتهم، بالتعبير المصري «يعدلون المزاج»، حتى يتمكَّنوا من مواصلة الحياة الصعبة التي يعيشونها ويتعاملون معها يوميًّا، ليأتي المعلم صبحي الفرارجي ليمحي هذا الملاذ تمامًا ويوسّع تجارته، فيُبدل أكواب الشاي والقهوة والكراسي والشِّيش والبواري والصواني بأرجل ورقاب الدجاج والريش المنتوف وبقايا الهياكل المذبوحة.

الحدث الثالث والأخير، هو المعركة الدائرة بين شباب إمبابة والأمن المركزي، حيث تتحوَّل منطقتا إمبابة والكيت كات إلى ساحة يُسمَع فيها دوي الطلقات وتُستنشق فيها رائحة الغاز المُسيل للدموع، يُواجه مَن يُواجه، ويفرُّ مَن يفر، يحتمي في بيته أو في الرصيف كما فعل الشيخ حسني، أو يحاول جمع عبوات القنابل الفارغة بلا مبالاة كما فعل يوسف النجار، الذي ذكَّرته المعركة بمظاهرات حضرها من قبل عندما كان طالبًا في الجامعة. ثم ينزل المطر وينتهي كل شيء، انقضت الليلة، وتراجع الهدوء كما تتراجع الأحلام في ضوء النهار.

أما في الفيلم، فتخلى داود عبد السيد عن الجزء الخاص بالمعركة تمامًا، سبب ذلك أنه رأى أنَّ المعركة الأخيرة بين الأمن وشباب إمبابة في انتفاضة يناير عام 1977 حدثت دون تدخل إحدى شخصيات الرواية فيها، بتعبير أستاذ داود: «كانت كالعواصف والمطر والبرق»، أي إنه حادث أكبر من الشخصيات، واشتراكهم فيه جاء بسبب أنه نزل عليهم بلا تدخل منهم وليس لأنهم خططوا له. أما مشهد العزاء، فيتمسَّك به داود عبد السيد ويجعله ذروة الأحداث، في واحد من أجمل مشاهد الفيلم.

الحدث الثاني الرئيسي في الفيلم - والمهم أيضًا- هو عدم قدرة يوسف على تخطي عجزه وخوفه، فيُفكر في السفر حتى يبدأ من جديد، بعيدًا عن حارته التي يشعر بالاغتراب الكامل عنها، وبعيدًا عن أبيه الناكر لعجزه تمامًا، مما يجعل العلاقة بينهما متوترة، وتصل إلى ذروتها عندما يعلم يوسف أنَّ أباه باع البيت ببعض قطع الحشيش، مما يقتل حلمه بالسفر تمامًا، لكنه يدرك في النهاية أنه إذا لم يتخطَّ عجزه هُنا فلن يتخطاه في أي مكانٍ آخر.

يوسف النجار في الرواية تجسيد صريح للصفة المعروفة عن طائر مالك الحزين، الذي لا يبرح مكانه بعد أن يجف النهر الذي يعيش على شاطئه، يتقبل مصيره بما يُشبه النُبل العاجز. لكن يوسف في الفيلم لا يحاكي مالك الحزين، بل يبدأ بتطوير صفات تقترب من الطيور المتنقلة، بعد أن يتخطى عجزه مع فاطمة، فينضم إلى أبيه في الشيء نفسه الذي كان يكرهه فيه، ويطير مع أبيه على الدراجة، حتى لو كانت وجهتهما الأخيرة هي السقوط في النيل.

في حوارنا الهاتفي معه ، قال داود عبد السيد إنَّ البعض يفهمون شخصية الشيخ حسني على أنه الأعمى البصير الذي يرى أفضل من المبصرين، لكنه (أي داود) يرى أنَّ هذا الكلام غير صحيح، حيث إنه يرد عليه في الفيلم عبر حوار يوسف مع الشيخ حسني في المشهد الأخير: «يابا إنت أعمى، إنت ليه مش عايز تصدق إنك أعمى؟!». يُضيف «عبد السيد» أنك إذا أردت تغيير شيء ما فلا بدَّ أن تعترف بأنَّه موجود، فإذا أردت - على سبيل المثال - تغيير عجزك فلا بدَّ أنَّ تعترف بأنك عاجز دون إنكار ذلك على نفسك، فإدراك الأزمة يدفعك لتخطيها.

في نهاية الحوار، قال داود عبد السيد إنَّه وقتها - منذ 34 عامًا - كان يرى المجتمع المصري عاجزًا، ولا يزال يراه كذلك حتى الآن.