حوارات
راشدة رجبالمخرجة مروة الشرقاوي تنتصر للحكايات البسيطة
2025.02.23
مصدر الصورة : آخرون
المخرجة مروة الشرقاوي تنتصر للحكايات البسيطة
تعرفت إلى المخرجة التسجيلية الشابة مروة الشرقاوي منذ سنوات، وهي تجري لتلحق بمواعيد أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وعندما أصبحت صديقتي على "الفيس بوك" تابعت حصول أفلامها على جوائز عديدة في مهرجانات دولية مختلفة. وقد حصل فيلمها "قلوب صغيرة" أخيرًا على جائزة البرج الذهبي في مهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير في دورته السادسة، كما تم اختيارها لعضوية لجنة تحكيم مهرجان بوجورا في بنجلاديش فبراير 2025 فجاءت الفرصة لتجري مرايا معها هذا الحوار.
- ماذا تمثل لك جائزة "البرج الذهبي" في مهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير وهي الجائزة الثانية للفيلم بعد حصوله على جائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان فلسطين الدولي الحر بلندن؟
* كنت سعيدة جدًّا بها خاصة أنها أول مشاركة لي في مهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير. شيء جميل أن أحصل على الجائزة الأهم. وأحببت شكل الجائزة وهو على هيئة أحد المعالم المصرية (برج القاهرة).
كما أن آراء لجنة التحكيم، حسين بكر أستاذ التصوير بمعهد السينما والمخرج عمرو بيومي والمنتج معتز عبدالوهاب، أسعدتني جدًّا، إذ قالوا إنه من أكثر الأفلام المؤثرة التي شاهدوها في الفترة الأخيرة، كما ظنوا أنني فلسطينية.
- يعبر الفيلم بالأساس عمَّا يشغل أطفال غزة.. مخاوفهم وقلقهم.. كيف جمعت المادة؟
* الفيلم يعبر عن مخاوف أطفال مصر تجاه ما يمر به أطفال غزة. لقطات وثائقية لأطفال مصر في لحظات من اليوم.. لقد قمت بالتصوير على البحر (المخرجة من الإسكندرية) بالصدفة وشعرت أنها صور رمزية معبرة عمَّا يحدث في غزة وعن كلمات الأطفال الفلسطينيين. فالتصوير بالكامل في مصر. أما الشريط الصوتي فمعظمه من غزة باستثناء أسئلة الأطفال المصريين. وقد ضم الشريط الصوتي مكالمة الطفلة "هند" التي حُبست في سيارة على الطريق والتي ظل ابن أختى -خمس سنوات- يتتبع مصيرها معنا، وغيره من تسجيلات صوتية لأطفال فلسطينيين من الإنترنت.
- كيف كان التعامل مع الأطفال الذين استعنت بهم من قبل في فيلمك "بلاد الذهب" 2017؟ وماذا يميز هذه الأفلام التي اعتمدت على وجهة نظر الأطفال؟
* "بلاد الدهب" (Docudrama) أو دراما وثائقية، فهناك جزء روائي. وعملت مع فريق جيد من شباب ورشة المخرج الإثيوبي الكبير هايلي جيريما (Haile Gerima) التي التحقت بها في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية 2017. ولم يكن عدد الأطفال كبيرًا فاستطعنا كفريق عمل أن نحكم الأمر. أما في "قلوب صغيرة" فقد كان الأمر مختلفًا، لأنه فيلم تسجيلي أردت أن أقدم فيه لقطات تلقائية وحقيقية من يوم الأطفال. وقد اخترنا أنا والمنتج من نعرفهم من الأطفال، حتي لا نكون غرباء عنهم فيرهبوننا.
نلاحظ "حاجات" من يومهم العادي ونصورها دون أن يحسوا بوجودنا وهذا يستغرق وقتَا أطول حتي نخرج بلقطات أكثر تلقائية وتعبيرًا عن حالة الشجن لدى هؤلاء الأطفال.
فمثلًا كنت اُضطر أحيانًا إلى إعادة تسجيل صوت ابن أختي بسبب جلبة الأصوات المحيطة، وفجأة وبتلقائية الأطفال (لف جيدًا) وقال "نفسي أطير لفلسطين" (أحد مشاهد الفيلم). أو أمسك الكاميرا أوقاتًا طويلة للحصول على تعبيره عن لحظة مشاهدة لنشرة عن الأحداث في غزة.
فيلمان يعتمدان على قصص البراءة ونبل المشاعر أكثر منه تزييفها، فالأطفال من الصعب أن يقولوا شيئًا لا يشعرون به، وبذلك يصبح الموضوع أقوى.
- تحدثت من قبل أنه واجهتك مشاكل في إنتاج الفيلم، فما هي؟ وما هي طرق توفير مصادر للإنتاج بالنسبة لك بشكل عام؟
* لم تقابلني مشاكل في إنتاج فيلم "قلوب صغيرة" فقد قمت بتصويره بمعداتى، وشاركني الصديق "حمدي وهبة" في كتابة السيناريو، وكانت إمكانيات بسيطة تطوع بها المشاركون ولم يحصلوا على أجر، فصديقة لي قامت بتلوين الفيلم وأخرى بترجمته إلى الإنجليزية، لأنه إهداء من مصر إلى غزة.
وإنتاج الأفلام التسجيلية القصيرة أبسط من التسجيلية الطويلة، لكن جهات دعم الفيلم التسجيلي في الوطن العربي قليلة. ومنذ عامين بدأت التقديم في جهات غير مشهورة، فحصلت على الدعم من دول إفريقية، وأحاول التفكير بطرق خارج الصندوق للبحث عن جهات دعم طوال الوقت. ومثلًا تعلمت المونتاج لأعد نسخي الأولى قدر الإمكان، كما أن لديَّ أصدقاء يعملون في شركات إنتاج تحمسوا لأفكاري وساعدوني.
- حصلت على بكالوريوس إعلام قسم إذاعة وتلفزيون، فلماذا لم تلتحقي بمعهد سينما من البداية؟ وماهي الورش التي التحقتِ بها لدراسة السينما؟ وكيف استفدت منها؟
* لأنني كنت أحب مجال الإعلام ولم أكن قد قررت تخصصًا محددًا أتحقق من خلاله. وبعد ذلك عملت في الأفلام الوثائقية والتحقت بورش لأحصل على الخبرة العملية المفيدة أكثر من الدراسة. وأهم هذه الورش: سيني دلتا في الإسكندرية، بدعم من الاتحاد الأوروبي لتعليم صناعة الأفلام، وورشة الفيلم التسجيلي الإبداعيBetween Women Filmmakers Caravan للمخرجة أمل رمسيس، وورشة المخرج الإثيوبي الكبير هايلي جيريما. وبالطبع تعلمت العناصر الأساسية وتكنيك صناعة الأفلام والمعلومات الهامة ليس فقط الخاصة بالإخراج، ولكن بكل مراحل الأفلام كالتصوير والمونتاج والإنتاج. كما أقمت علاقات مع صناع الأفلام من سني وكوَّنا معًا فريق عمل في تلك الورش، وعلاقات مع المدربين وهم صناع أفلام كبار من جميع أنحاء العالم.
- لماذا اخترت السينما التسجيلية بالتحديد للتعبير الفني؟
* أشعر أن السينما التسجيلية مساحة وجدت فيها نفسي أكثر. مرة قال لي مخرج لا أتذكر اسمه الآن: "إن الأفلام التسجيلية انتصار للحكايات البسيطة"، وهي تجعلك تنظرين إلى الناس نظرة مختلفة وتدخلين عوالم جديدة وتسمعين قصصًا مؤثرة.
أجد نفسي في هذا المجال جدًّا، وأطور من نفسي إنسانيًّا قبل إخراجيًّا، فهو يمثل احتكاكًا بالحياة قد يكون غير موجود في رأيي في مجالات أخرى.
- كيف تختارين أفكار أفلامك؟
* الأفكار تأتي دائمًا بالصدفة، أتعرف على شخص ما في "قعدة" مع أصحاب، تلمسني قصته وأود الدخول إلى عالمه وحكاية هذه القصة، وهنا البحث البصري هو أكثر ما يشغلني. وأهتم أيضًا بالتراث الإنساني والحضاري.
- في فيلميك الوثائقي "قلوب صغيرة" 2024، والروائي "عزيزتي ورد" 2022 الذي حصل على 6 جوائز وعُرض في 30 مهرجانًا، استخدمت الشاعرية والرومانسية فهل قصدت ذلك للهروب من قسوة الفكرة وجعلها أكثر تأثيرًا؟
* أعتقد نعم، أحاول قدر الإمكان الاعتماد على أسلوب شاعري للهروب من قسوة الحياة. وبالنسبة لـ"عزيزتي ورد"، أحببت ذلك جدًّا. فقد شاهدت أفلامًا كثيرة عن الختان تتحدث عن الجرح والأمور الطبية ولم أشعر أن الأفلام تتناول مشاعر البنت في هذه اللحظة. وعندما قرأت شهادة سيدة تذكرت في يوم زفافها لحظة ختانها في الطفولة، وأن كلا اليومين كان صعبًا، قررت أن أناقش الجزء النفسي المتعلق بهذه السيدة بطريقة تلمس قلوب السيدات والمجتمع لأن حياتها تتحطم على كل المستويات.
- هل اخترت فكرة الفيلم بناءً على طلب المجلس القومي للمرأة الذي قام بدعمه؟
* كانت مسابقة أعلنت عنها مؤسسة "اتجاه" بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة والمجلس القومي للمرأة. وقد اختار د. وائل صابر رئيس قسم التصوير بمعهد السينما في ذلك الوقت فكرة فيلمي وله دور كبير في تطويرها معي، وقد سمعت قصصًا كثيرة لبنات تعرضوا لهذه التجربة. ونجح الفيلم في توعية سيدات الصعيد عن قضية الختان كما أنه جيد فنيًّا وحاز على قبول النقاد.
- بطلة الفيلم داليا عزت وجه مصري جميل ومعبر كيف تم اختيارها؟
* داليا ممثلة من الإسكندرية تم اختيارها من خلال (audition) وقد راهنا على أداء داليا الصامت من خلال تعبيرات الوجه الصادقة فهي ممثلة جيدة، إذ أن شريط الصوت في الفيلم حقيقي لبنت من صعيد مصر تعرضت للختان وليس صوت داليا.
- قضايا المرأة كالختان في "عزيزتي ورد"، وحكايات الجدات من بدو كينج مريوط في فيلم "حواديت إيكنجى" 2023، وفيلم "امرأة تطل من النافذة" 2019 الذي يتناول تجربة الكاتبة "سهير شكري" التي غيرت مسار حياتها في مرحلة متأخرة، كلها كانت مدخلًا لتناول صورة المجتمع، فما تعليقك.
* نعم لأنني بنت ومهمومة طوال الوقت بقضايا المجتمع الذي أعيش فيه وبالتحديد ما يتعلق بمشاكل وحياة البنات. وفي النهاية كما أشرت تتجلى صورة واضحة للمجتمع. وأقوم بالاكتشاف لأن الأفلام لا تقدم توقعات مسبقة. فمثلًا كان لديَّ أفكار عن بدو "كينج مريوط" اختلفت عندما سمعت القصص الجريئة لبعض السيدات عن حياتهن و"التاتوهات على أجسادهن" وحكايات حبهن، فالأفلام التسجيلية معالجة إبداعية للواقع.
وقد أعددت فيلم "حواديت إيكنجى"، وهو الاسم القديم لمنطقة "كينج مريوط"، أثناء ورشة للكاتب علاء خالد في جيزويت الإسكندرية لإصدار كتاب "إيكنجي مريوط سيرة ضاحية" المصور. وكنا نذهب يوم الجمعة بانتظام لمدة ثلاثة أشهر إلى المنطقة، ولدينا قراءات مسبقة عن المكان وقصص ذاتية وسمعنا حكايات الناس.
- فيلمك التسجيلي الطويل الأول "أحلام منسية" (ساعة ونصف) يتناول قصة الشاعر الشاب عمرو إسماعيل مع الغسيل الكلوي وزراعة الكلى. ما الصعوبات التي واجهتك في إخراجه خاصة وأن تصويره استغرق أربع سنوات؟
* تتعلق مشاكل هذا الفيلم بالإنتاج فهو أول فيلم طويل مستقل لي، وقد كنت مهمومة بالقصة وبمشاعر المرضى بأن حياتهم قد انتهت. وخضت الرحلة وحدي تمامًا تقريبًا ثم انضم إليَّ هيثم عبدالحميد كمنتج فني. وعندما أعددت نسخة أولية، بدأ أصدقائي يدعمونني كفريق عمل الفيلم. وحصلت على منحة وحيدة ما بعد الإنتاج (rough cut) من (Between Women Filmmakers Caravan) استطعت من خلالها أن أختار مونتيرة وأدفع أجرها.
وبالإضافة إلى صعوبة الإنتاج، فطبيعة الموضوع لم تكن سهلة. فقد قررت أن أقدمه بطريقة المعايشة، فأقابل البطل يوميًّا وأجلس معه ومع أصحابه وأعيش حياتهم وأفكارهم. فـ70% من وقتي على مدار أربع سنوات مخصص للفيلم. ولكن لأن البطل منفتح فقد وافق على تصوير لحظات كثيرة من حياته ومنها لحظات حساسة مما سهل المهمة.
- الفيلم جيد لكن هناك مشاكل في الصوت والصورة، هل يرجع ذلك إلى استخدام كاميرا "GoPro" أو تعاون البطل المريض في تصويره؟
* أمران، أولًا لم يكن لديَّ وقتها (professional camera) فجمعت مالًا واشتريت كاميرا (GoPro) راهنت أنها ستصور لحظات حقيقية والكواليتي مهم طوال الوقت، لكن هناك لحظات يجب تصويرها حية دون تضبيط. ورغم أن الصوت كان سيئًا جدًّا، فإنني لم أستطِع تأجير أجهزة صوت لقلة الإمكانيات وطول مدة التصوير. وحاول مهندس الصوت البطل خالد واكد أن يخرج بنسخة صوتية جيدة.
كما أن هناك لحظات حقيقية لا بد أن يصورها عمرو بطل الفيلم بنفسه، لتعذر وجودي، وبالطبع لم يكن محترفًا.
- كنت تحلمين بعرض "أحلام منسية" للجمهور وقد حصل على أكثر من جائزة دولية، فهل سعيت لذلك وكيف يمكن دعم الفيلم التسجيلي ليصل إلى المشاهد المصري؟
* نعم طبعًا حاولت، وقد عُرض الفيلم للجمهور في مهرجان أسوان لأفلام المرأة 2021 وأيضًا في المهرجان القومي للسينما بدار الأوبرا وحضره جمهور كبير.
وأتمني وجود أماكن كثيرة أو دور عرض سينمائي مثل سينما "زاوية" تعرض الأفلام الوثائقية ولو لأسبوع واحد وأن ينتشر ذلك في المحافظات ولا يقتصر على القاهرة، ومن الممكن أن تُعرض قبل الأفلام الروائية كما جرت العادة في الماضي مع "الجريدة السينمائية". فهذه الأفلام تستحق الدعم مثل السينما التجارية، ووجود القناة الوثائقية التي تنتج هذا النوع من الأفلام خطوة جيدة لسوق صناعة هذه الأفلام بشكل عام.
وفي تونس مثلًا رأيت إعلانًا في أحد الشوارع لفيلم "بنات ألفة" الوثائقي للمخرجة "كوثر بن هنية" إذ يُعرض في إحدى دور العرض.
- سافرت إلى العديد من البلدان للمشاركة في مهرجانات مختلفة، كما رأست لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي في مهرجان سينما المرأة بمسقط فماذا استفدتِ من هذه التجارب؟
* تجربة السفر كانت مهمة جدًّا بالنسبة لي على مستويات كثيرة. فقد أتاحت لي التعرف على ثقافات لشعوب مختلفة كما اكتسبت ثقافة سينمائية بفضل مشاهدة أفلام من دول مختلفة. إذ سافرت إلى كثير من الدول الإفريقية وتعرفت عن قرب على ثقافتها، كما تعرفت على سلطنة عمان وهو مجتمع داعم للسينما وينتج كثيرًا من الأفلام ويدعم المرأة من خلال مهرجان سينما المرأة. وقد شاهدت هناك أفلامًا آسيوية مختلفة من الهند واليابان وكوريا وإيران. وتجربة رئاسة لجنة التحكيم في هذا المهرجان كانت مهمة ومتميزة. وسمحت لي بتقييم الأفلام وأعطيتها حقها في المناقشة الموضوعية، وهو أمر ملهم جدًّا.
- ما الفيلم الذي تعملين عليه الآن؟
* فيلم "إلي دانيال" وهو تسجيلي طويل قيد الإنتاج، وقد استغرقت أربع سنوات في إعداده. و"دانيال" ناقد أرميني مصري يعيش في الإسكندرية ولديه حلم مؤجل، منذ أربعين عامًا، أن يصبح مخرجًا.
وانتهيت مؤخرًا من فيلم "أحلام بنات" وهو فيلم وثائقي قصير يتناول أحلام بنات صغيرات في مجال الموسيقى.
- بمن تتأثرين من مخرجي الأفلام التسجيلية الكبار؟
* أحب جدًّا المخرج الألماني الكبير فرنر هيرتزوج (werner Herzog) والفرنسية أجنيس فاردا (Agnes Varda) واللبنانية "جوسلين صعب، ومن المصريين عطيات الأبنودي طبعًا، وسمير عوف وهو أحد مساعدي شادي عبدالسلام وله تجربة مختلفة في الفيلم التسجيلى، وأستاذتي عرب لطفي التي أقابلها كل شهرين تقريبًا وأسعد بتوجيهاتها.
ترشيحاتنا
