زمن بديعة
وسام سليمانبديعة.. هروب ومزرعة ومحل ألبان ومسرح
2025.02.09
مصدر الصورة : ويكبيديا
الحلقة السابعة والأخيرة: بديعة.. هروب ومزرعة ومحل ألبان ومسرح
صدمة رحيل نجيب الريحاني المفاجئ أثرت بعمق في بديعة، ضاع أملها المتبقي في حياة زوجية مستقرة، وعاد يشغلها الخوف من الوحدة وغياب الأحبة، زهدت الأضواء والشهرة، وبدأت تضيق بالناس والسهرات وعلى كل ما مرت به من مآسٍ فإن الحزن لم يعرف منفذًا إلى أعماقها إلَّا بعد رحيل "نجيب".
في تلك الفترة عادت ببا عز الدين تتقرب إليها، وكان أنطوان قد هجرها وارتبط بثريا حلمي، فأخذت تشتكيه لبديعة، وتعلن ندمها على ما بدر منها، وتطلب منها السماح بالعودة إلى العمل معها في كازينو الأوبرا.
ببا عز الدين
دفعتها الوحدة والاحتياج إلى صديق إلى السماح لببا بالتقرب إليها، ووافقت على إعادتها للعمل معها، بل وأمنت لها ـرغم خيانتها السابقةـ وأطلعتها على ما يدور في نفسها، فنصحتها ببا بأن تبيع الكازينو، وتريح نفسها من عبئه الثقيل، وتعيش منعمة بما وفرته من سنوات الشقاء والعمل، وما زالت ببا تتحين كل فرصة لتحبب إليها فكرة بيع الكازينو حتى بدأت بديعة تفكر بجدية في الأمر.
في تلك الفترة وبعد وفاة الريحاني بدأت خلافات بين بديعة وعائلة الريحاني المتمثلة في شقيقه يوسف وأبنائه، فقد رفض يوسف أن يكتب اسم بديعة في نعي العائلة، بل وادَّعى أن نجيب كان قد طلق بديعة قبل موته. ثم أخذ يسخر من دموع بديعة التي ذرفتها في جنازة الريحاني مدعيًا أنها مجرد تمثيل طمعًا في الإرث، فما كان من بديعة إلَّا أن رفعت الأمر إلى المطرانية، وحصلت على وثيقة تنفي حدوث الطلاق بين بديعة ونجيب لسبب بسيط، وهو أن طائفة نجيب الريحاني (السريان الكاتوليك) لا تبيح الطلاق بأي حال من الأحوال، وهكذا بدأت المناوشات.
ووسط كل هذه التفاصيل قررت بديعة أن تبيع الكازينو، وتعود لتعيش في بيروت، وما إن أعلنت نيتها للمحامي حتى أتى لها بزبون على استعداد لدفع مبلغ ثلاثين ألف جنيه، لم تصدم بديعة عندما اكتشفت بعدها أن المشترى الحقيقي هو ببا عز الدين، ولكنها اشترطت شرطًا أساسيًّا في العقد وهو ألا يستخدم المالك الجديد أيًّا كان اسم "بديعة" في المستقبل.
كانت بديعة قد استلمت مبلغ خمسة عشر ألف جنيه مصري، نصف ثمن الكازينو المتفق عليه في العقد، فانصرفت إلى دفع تعويضات للعاملين في الكازينو حوالي سبعة آلاف جنيه. عندما اتصل بها المحامي يخبرها بضرورة تسلمها لورقة رسمية من الضرائب.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها استيفاء ضرائب دخل لم تكن موجودة من قبل، ولكن لم يكن لدى الحكومة موظفون مدربون على مثل هذا العمل فكانوا يلجؤون إلى تقديرات اعتباطية بدون تدقيق، ما فتح الباب لفوضى الرشوة ومحاولات الاحتيال والهروب من مصر، خاصة أن معظم أصحاب المتاجر والملاهي كانوا من الأجانب، ولجأ بعضهم إلى المحاكم كي تنصفهم من تعنت مأموري المصلحة حيث تنظر القضايا لسنوات حتى يتم البت فيها.
وكانت بديعة ممن فُرضت عليهم ضرائب تعسفية، ولكنها لم تتهرب بل دفعت مبلغ تسعة وثلاثين ألف جنيه بكل طيب خاطر، وظلت تدفع ضرائبها كل سنة معتمدة على محاميها، ومعه خبير ضرائب كانا يطمئنانها أن الأمور تسير في مجراها الطبيعي ولكنها اكتشفت أنهما لم يهتما بطلب المخالصة كل سنة ولم يكن يخطر ببالها أنها ستكون ضحية إهمالهما، عندما وصلت إلى الكازينو وجدت ببا تستقبلها غاضبة شامتة:
- "بقى يا ست بديعة تبيعي لي الكازينو وهو عليه ضرايب أربعة وسبعين ألف جنيه"!
صدمت بديعة من قيمة المبلغ. أخذت تنظر إلى الورقة المرسلة من المصلحة، ثم انتابها فجأة ضحك هستيري وهي تقول: أربعة وسبعين ألف جنيه؟ بس كده!
حاولت أن تتمالك نفسها، وقد أدركت الخطر المحدق بها، استشارت أحد معارفها فنصحها -قبل أن تقيم دعوى ضد المصلحة- أن تسارع ببيع ممتلكاتها، وكانت عبارة عن عدة بنايات في القاهرة اضطرت إلى بيعها بنصف الثمن، ثم جمعت مجوهراتها، وأرسلتها والنقود مع أحد معارفها كان مسافرًا إلى بيروت، ثم اشترت تذكرة سفر وحزمت حقيبتها وذهبت إلى مطار القاهرة، عندما أوقفها الشرطي في المطار وأخبرها بأنها ممنوعة من السفر.
لم تدخل مرة قسمًا للبوليس، ولم يخطر ببالها يومًا أن تكون مهددة بالحبس، خضعت لتحقيقات في النيابة التي أمرت بعدها بحبس بديعة على ذمة القضية، ولكنها أطلقت سراحها بعد دفع غرامة عشرة آلاف جنيه، خرجت بديعة من القسم وقد عقدت نيتها على الفرار.
استجابت لدعوة ابن أختها أنطوان وثريا حلمي، وذهبت معهما لتريح أعصابها في رأس البر، لم تطلع أحدًا بنيتها على الهروب، ولم تأتِ أبدًا على سيرته مع مخلوق، بل إنها استقبلت ببا التي جاءتها تمثل التعاطف والإشفاق، فأعطتها بديعة بالطو من الفرو، لتأخذه معها مشكورة إلى ابنة أختها في بيروت، وبعد أن قضت أيامًا في رأس البر عادت إلى القاهرة، واستأجرت غرفة في فندق سميراميس، وقضت أيامًا بصحبة كلبها تفكر فقط "كيف تهرب".
لم يكن لديها أي خطة غير أنها في إحدى الليالي نزلت لتسهر في كازينو الفندق مع بعض الأصحاب، بدت جميلة ومتألقة، وفي كامل زينتها، قامت ورقصت حتى لم يكن ليتخيل من يراها أنها تحمل بداخلها همًّا أو قلقًا.
لمحت شابًّا أجنبيًّا يشارك أصحابها نفس المنضدة، كان يرقبها بنظرة إعجاب ممزوجة بتعاطف غريب، بمجرد أن بادر إلى الحديث معها حتى وجدت نفسها تنهار فجأة في البكاء، وتبوح له بمشكلتها وتسأله:
- "تقدر تساعدني؟"
لم يؤكد لها الشاب أنه سينقذها، ولكنه وعدها أنه سيحاول المستحيل، قابلته بعدها بعدة أيام، وقال لها إنه وجد من يدبر لها وسيلة للهروب، ولكنه أضاف معتذرًا أنهم طلبوا مبلغ ألفي جنيه ما رآه جشعًا كبيرًا، ولكن بديعة قررت المجازفة خاصة أن إجازة دخولها إلى بيروت لم يتبقَّ على موعد انتهائها سوى أسبوعين.
أمضت ليالي لم تذُق فيها طعم النوم، كان القلق يزداد بوتيرة متصاعدة بينما تمضي الساعات بطيئة ثقيلة، وفي أحد الأيام، وبينما كانت مستغرقة في علاج توترها بشغل الكوريشيه في مقهى الفندق، وكلبها معها يلاعب الخيوط المتراقصة تحت المنضدة، لمحت رجلًا جالسًا في الكافيه يغمز لها بعينيه، فكادت بديعة تهاجمه، وتفضحه معتقدة أنه يعاكسها، غير أنها تذكرت صديقها الشاب الذي وعدها بإرسال من يساعدها، لمحت الرجل يقوم من مكانه، وبإشارة منه فهمت أنه يريدها أن تتبعه إلى كابينة التليفون. حاولت أن تبدو طبيعية، وهي تضع بكرة الخيط والإبرة، وتأخذ حقيبتها متجهة إلى حيث أشار الرجل.
أخبرها صوت الرجل في التليفون أن تخرج فورًا من الفندق، وتركب سيارة أجرة، وتتبع السيارة التى ستتحرك من أمام الفندق.
أثناء خروجها من الفندق سمعت نباح كلبها الذي ما إن لمحها حتى أخذ يجري محاولًا اللحاق بها، كادت تلتفت إليه غير أنها تذكرت رسالة الرجل، فاضطرت إلى الإسراع خارجة.
أوقفت سيارة أجرة، وظلت عيونها تتبع السيارة التي تسير أمامها، حتى رأتها تتوقف في منطقة قرب مصر الجديدة، حاولت أن تبدو طبيعية، وهي تطلب من سائق التاكسي التوقف، وتسلمه أجرته، خرجت من التاكسي، واتجهت إلى السيارة الواقفة في انتظارها.
وجدت نفسها جالسة في الكرسي الخلفي بين رجلين غريبين يطلبان منها مبلغ خمس مئة جنيه إضافة إلى الألفي جنيه التي اتفقت عليها، فتذعن لهما بديعة، بينما تتوغل السيارة في صحراء مصر الجديدة والسكون يحيط بالمكان. تتذكر فجأة أنها لم تودع كلبها. تكاد تنهار بداخلها غير أن الخوف والترقب يلجم مشاعرها، تتساءل "هل ستنجو؟"، تتوقف السيارة يطلب منها الرجلان أن تسلمهما المبلغ، ثم تنزل من السيارة، تتأمل بديعة المكان
"هل يمكن أن تهبط طائرة هنا"؟
ولكنها لا تلبث أن تسمع صوت تحليق الطائرة التى قبل أن تهبط إلى الأرض خرج منها رجلان ينتشلان بديعة، ويحملانها إلى الطائرة في ثوانٍ معدودة.
"وهكذا تركت أرض مصر الحبيبة، وكم كنت أتمنى لو اختلف وداعي لها عن هذا الوداع المرير، في الطائرة نظرت إلى أرضها الطيبة، وألقيت عليها ألف سلام على السنوات الجميلة التي قضيتها، ورافق سلامي دموع لم أذرف مثلها في كل ما مر في حياتي من مآس وآلام".
بعد مرور أيام بدأت القاهرة تشعر بغياب "بديعة" حتى أدرك الجميع أنها قد هربت من مصر، وبدأت التساؤلات والتخمينات حول قصة هروبها، فمنهم من قال إنها تنكرت في زي رجل بدوي وهربت عن طريق الصحراء، ومنهم من أكد أنها هربت عن طريق البحر و..
ولم تحكِ بديعة عن تفاصيل هروبها من مصر إلَّا في مذكراتها التي كتبتها في أوائل الستينيات، وحررتها الصحفية اللبنانية نازك باسيلي -المنشورة عن الدار المصرية اللبنانية- وفيها حكت بديعة بشجاعة وصدق نادر عن نفسها، وحكت عن زمن طمست ملامحه وأمجاده.
بعد وصولها إلى بيروت سارعت بديعة إلى طلب الجنسية اللبنانية، وكان رئيس الوزراء وقتها الزعيم رياض الصلح الذى سهل لها جميع الإجراءات، وحصلت بديعة على الجنسية اللبنانية في سبتمبر 1950.
كانت تنوي أن تقيم مع عائلتها في بيت كبير أقامت لنفسها دورًا كاملًا فيه على نفقتها، ولكنها عندما وصلت وجدتهم قد أجروا الدور لأحد المستأجرين، ولم تجد لها مكانًا في البيت، فذهبت لتقيم في فندق مسابكي في بلدة شتورا.
لم يكن في نيتها العودة إلى العمل في الغناء والرقص، وقد أصبح كل ما تحلم به هو العيش في أمان مادي يحمي كرامتها، وما تبقى لها من عمر، وأخذت تفكر كيف يمكن أن تستثمر ثروتها الصغيرة.
قررت أن تقوم برحلة إلى أوروبا بالسيارة للترفيه عن نفسها، اصطحبت معها سائقًا شابًّا (نصار الريس) كان يعمل في فندق مسابكي. عرفته بديعة في فترة إقامتها في الفندق، وتأكدت من نبل أخلاقه أثناء الرحلة. كان نصار يبحث عن فرصة أفضل للعمل، وكسب الرزق. فكر في الهجرة إلى أمريكا، ولكنه تراجع، وقرر أن يفتح مشروعًا في بلده، وعندما حَدَّثَ بديعة في الأمر، وجدت نفسها تسأله بحماس:
- "تشاركني"؟
لم تنسَ بديعة تلك السيدة اليونانية التي قابلتها في الأرجنتين، وكانت جارة لأختها نظلة، وكانت تناديها لتلعب في مزرعتها الصغيرة، علمتها كيف تحلب البقرة، وتطعم الطيور، وتعتني بالزرع والنبات، ومنذ ذلك الوقت، وهي تحلم بالعيش في مكان يشبه مزرعة تلك السيدة حيث الإحساس العميق بالطمأنينة. ظلت الفكرة تنمو بداخلها بدون أن تعي حتى صرحت بها لنصار الريس.
اشترت بديعة قطعة أرض في شتورا. أقامت عليها مزرعة ومعملًا ومحلًّا للألبان. كان العابرون يتوقفون أمام المحل فتستقبلهم بديعة بابتسامتها المضيئة، وتعطيهم سندوتشات اللبنة اللذيذة. كما اشترت بيتًا في بيروت ظل مفتوحًا عامرًا تستقبل بكرمها المعهود كل زملائها من الفنانين المصريين حيث تستعيد معهم رائحة مصر وأيامها الجميلة.
لم تكَد تصدق بديعة عندما تفاجأت في أحد الأيام بتلميذتيها تحية وسامية يزورانها في محلها في شتورا، فاندفعت تحتضنهما، وغرق الثلاثة في موجة من الضحك والبكاء في نفس الوقت.
كم تشابهت ظروف الفنانات الثلاث رغم اختلافهن، ألم تضطر تحية وسامية إلى الهروب من نبذ وقسوة أسرتيهما، وكما نفضت بديعة عن نفسها مرارات الماضي، وصنعت نجاحها بمفردها، سافرت وعاشت وعلمت نفسها من دروس الحياة القاسية، كذلك فعلت كل من تحية وسامية، ولم تبالغ تحية عندما حكت عن مدى تأثرها بشخصية بديعة وشجاعتها النادرة في مواجهة الحياة.
في عام 1968 حضرت بديعة حفلًا لأم كلثوم في بيروت استعادت بديعة مع غنوة "إنت عمري" التى لحنها محمد عبدالوهاب سنوات عمرها الجميلة في مصر. ترى شريط حياتها بتقلباته وتفاصيله الزاخرة، وكأنها لم تعِش حياة واحدة بل حمل عمرها الذي جاوز السبعين حيوات كثيرة ارتبطت جميعها بخيط واحد.
كانت قد عرفت أم كلثوم صبية بالعقال تغني برفقة والدها وأخيها، كما عرفت محمد عبدالوهاب منذ كان صبيًّا يغني بين الفصول في فرقة نجيب الريحاني، قبل أن يتعهده الشيخ سيد درويش ويتبنى موهبته، ومن بعده الشاعر الكبير أحمد شوقي الذي قدمه إلى النخبة المثقفة، وأعطاه من خبرته وثقافته الواسعة بالإضافة إلى قصائده وأشعاره.
وحضرت بديعة المنافسة الحامية بين أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب عندما كان الجمهور منقسمًا إلى معسكرين، وكان حماس كل منهما يتعدى الهوس فتعلو المناقشة، ويشتد الجدال، وكثيرًا ما ينتهي الجدال بالخصام والتراشق بالكلام القارص.. تحكي بديعة عن ذكريات تلك الفترة:
"إذا ما دخلت مسرح يغني فيه عبدالوهاب ألفيت السكينة والهدوء على المكان تتخللهما تنهدات من حناجر ناعمة، وتصفيق من أكف مخملية، وهمس ووشوشة "كمان والنبى يا عبده"، أما إذا حضرت حفلة لأم كلثوم فتلاقي الزحام على أشده، ويصم أذنيك التصفيق والهتاف إلى درجة كانت تضطر هي نفسها إلى التوقف حتى يعود الجمهور إلى صوابه، ويهدأ من حماسه الهستيري الذي ينتابه عند سماعها".
"ما من مرة أصغيت فيها لأم كلثوم وعبدالوهاب بعد مرور كل تلك السنوات الطويلة إلَّا عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام الجميلة أيام الشباب والجمال والحيوية أيام الأنوار والحب والآمال الواسعة، ولكنها مضت ولن تعود.. يكفيني ما ذقت من حلاوتها وما أذاقتني من مرارتها".
لم تيأس بديعة من محاولات لمِّ شمل أسرتها، فلم تزَل تحن إلى بيت يملؤه دفء الأسرة. فرحت عندما جاءها أنطوان ليزورها بعد فترة انقطاع، ويهنئها على المزرعة، ثم أبدى موافقته على أن يعيش معها في بيروت، ولكنه اشترط أن تكتب المزرعة والأرض له ولابنته. رفضت بديعة أن تدفع ثمنًا مقدمًا لكي يرضى ابن أختها بالعيش معها، شعرت بالخذلان عندما تركها غاضبًا، ولم يعُد بعدها، فقررت أن ترضى بوحدتها، وتقنع بما قسمه الله لها.
بعد نشر مذكرات بديعة أعلن البعض عن نيتهم على تحويلها إلى فيلم سينمائي، وأعربت بديعة عن أمنيتها أن ترى قصة حياتها على الشاشة الكبيرة، ولكن مَن مِن الفنانات يمكنها تجسيد شخصية "بديعة مصابني"؟ طرحت أسماء فنانات مثل الفنانة هند رستم والشحرورة صباح. عبرت بديعة عن إعجابها الكبير بالفنانة هند رستم، ولكنها فضلت صباح لكي تؤدي شخصيتها، وعلَّقت:
- "صباح مدردحة أكتر".
وبعد رحيل بديعة عام 1974 عاد مشروع الفيلم، ولكن ببطلة جديدة. بدأ نجمها يصعد في تلك الفترة هي الفنانة نادية الجندي، ولكن المشروع توقف فجأة، وانسحبت نادية الجندي بعد أن صورت بالفعل عدة أيام في بيروت، لم يفلح الماكياج -كما قالت نادية الجندي- إلَّا في إيذاء بشرتها بدون أن يجعلها تشبه من قريب أو من بعيد بديعة مصابني.
لجأ المخرج حسن الإمام إلى صديقته القديمة الفنانة نادية لطفي التي لم تشأ أن ترفض طلب صديقها غير أنها أعلنت -بعد ذلك- عن عدم اقتناعها بالسيناريو، ولكن لعنة ما ظلت تلاحق صانعي الفيلم -كما أعلنت الصحف وقتها- فبطلة الفيلم نادية لطفي أصيبت بأزمة صحية خطيرة كادت تعيق استكمال التصوير، كما قام المنتج أحمد الحاروني برفع دعوى قضائية على البطلة السابقة للفيلم نادية الجندي بسبب تركها للتصوير في بيروت، فقامت هي الأخرى في المقابل برفع قضية ضد المنتج الذي استبدل بها الفنانة نادية لطفي، كما قامت السيدة حورية المانسترلي الوارثة الوحيدة للمؤلف الراحل حسين حلمي المانسترلي -الذي كتب أغنيتي "أنا بديعة" و"يا مصر منظرك جميل" وهما من تلحين أحمد صبري النجريدي- برفع دعوى قضائية ضد المخرج حسن الإمام لأنه نسب الأغاني إلى نفسه في حين دافع المخرج حسن الإمام، وقال إنه حصل على بعض هذه الأغاني من مجلة الصباح، وبعضها الآخر كان يحفظها من الذاكرة، كما أكد أنه بحث عن كاتب الأغاني، وحتى أنه نشر إعلانًا في الصحف لكل من كتب أغاني لبديعة أن يتقدم إلى منتج الفيلم للحصول على حقه.
ثم ظهر فجأة شابان من الإسكندرية أعلنا أنهما من أقارب بديعة مصابني، ورفعا دعوى قضائية ضد صنَّاع الفيلم بسبب الإساءة إلى قريبتهم.
عندما سُئلت بديعة في أحد الحوارات الصحفية:
- "ماذا لو عاد لك الشباب؟"
ضحكت وردت بحماس:
- "سأعود للغناء والرقص".
في عام 1971، وبعد مرور ثلاثة وعشرين عامًا على آخر عرض مسرحي مثلته بديعة مع الريحاني -عام 1947- أعلنت الصحف اللبنانية عن عودة الفنانة بديعة مصابني إلى المسرح من خلال مشاركتها في فرقة الفنان الكوميدي حسن علاء الدين المشهور بـ"شوشو".
اعتقد الجميع أنها كذبة إبريل، فمن يصدق أن بديعة مصابني التي قارب عمرها الثمانين عامًا ستعود لتمثل وتغني على المسرح. تهافت الناس على شراء التذاكر من المسرح الوطني، وجلسوا يترقبون غير مصدقين حتى انفرج الستار، وظهرت أمامهم بديعة مصابني في كامل رونقها وحضورها الطاغي اللذين لم تنًل منهما السنوات.
عشقها للمسرح دفعها إلى مغامرة أخيرة قبل الرحيل، لم يخذلها الجمهور الذي كان يذهب كل ليلة إلى المسرح الوطني ليشاهد بديعة تمثل دورًا صغيرًا في الفصل الأول في مسرحية بعنوان "عدس وكافيار"، وبعد أن تنهي بديعة دورها في الفصل الأول تعود باكرًا إلى بيتها منتشية بدفء وحب جمهورها.
وظلت عودة بديعة مصابني هي الحدث الأبرز في المسرح اللبناني لسنوات.
كانت قد استأجرت شقة في الكسارة عند مدخل مدينة زحلة عاشت فيها آخر سنوات عمرها.
بعد رحيل بديعة مصابني أثيرت شائعات عن زواجها بشريكها في المزرعة نصار الريس، ولكنه نفى الإشاعة بشكل قاطع، وقال:
- "لم أتزوج الست بديعة، ولكنها كانت عندي أغلى من زوجة وأعز من صديقة وأحب من حبيبة، كانت كل شيء، وكانت في كل تصرف تسلكه امرأة نبيلة بكل ما تعنيه الكلمة".
أحبت بديعة الحياة، ولم تعُد تخشى الموت في سنواتها الأخيرة، بل إن حبها للحياة جعلها تحلم بوداع كريم يغنيها عن طلب المساعدة من أي إنسان. وفي السادسة صباحًا من يوم الثلاثاء 23 يوليو/تموز عام 1974 توقف زمن بديعة مصابني في حضرة الموت، وحُمل جسدها إلى المدافن في كنيسة مار متر حيث شيعها قليل من الأصدقاء المقربين إلى مثواها الأخير.
ترشيحاتنا
