هوامش
بيتر درييرزهران ممداني عرف كيف يتعامل مع دونالد ترامب
2025.11.23
تصوير آخرون
زهران ممداني عرف كيف يتعامل مع دونالد ترامب
لماذا بدا دونالد ترامب ودودًا إلى هذا الحد مع رئيس بلدية نيويورك المنتخب [i] ، الديمقراطي الاشتراكي زهران ممداني، خلال زيارته للبيت الأبيض يوم الجمعة؟ طوال الحملة الانتخابية، شنّ ترامب هجمات متكررة على ممداني، ونعته بالشيوعي الذي سيُدمّر المدينة، بل وصل الأمر إلى منحه أندرو كومو تأييدًا متأخرًا في اللحظة الأخيرة.
ومع ذلك، حضر ممداني إلى البيت الأبيض وأظهر احترامًا للرجل الذي هاجمه بلا هوادة خلال حملته. بدا لافتًا مدى انضباطه، فقد ظلّ مبتسمًا طوال اللقاء. كانت تلك حملة «سحر» محسوبة بعناية.
اجتمع الرجلان على انفراد قبل استقبالهما الصحفيين والكاميرات في مؤتمر مشترك. وأدرك ترامب سريعًا أن ممداني لن يجرّه إلى مواجهة. جاء ممداني ليتحدث عن السياسات وطلب الدعم الفدرالي. ولم يستطِع ترامب إخافته أو إرباكه، إذ حافظ ممداني على هدوئه ورفض اللعب وفق شروط ترامب. وحين تنبّه ترامب إلى ذلك، غيّر نبرته سريعًا، وانتقل إلى استمالة رئيس البلدية المنتخب البالغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا.
قال ترامب: «أشعر بثقة كبيرة في أنه قادر على أداء مهمة جيدة».
وخلال المؤتمر الصحفي، كرر ترامب عدة مرات أنه يريد لممداني أن ينجح، وأن الحكومة الفدرالية -بطريقة مدهشة- ستسانده. لكن يبقى أن نرى ما إن كان ذلك يحمل مضمونًا فعليًّا. فهل ستتراجع وزارة النقل عن معارضتها لتسعير الازدحام؟ وهل ستزيد وزارة الإسكان دعمها السكني لمدينة نيويورك؟ وهل ستقدم وزارتا التجارة أو الزراعة تمويلًا لبرنامج تجريبي يتيح إنشاء متاجر بقالة مملوكة للمدينة في المناطق التي تعاني نقصًا في الغذاء؟
لا يُرجَّح أن يفعل ترامب كثيرًا لنيويورك. لكنه في ذلك اليوم أراد أن يبدو حليفًا لممداني، لا خصمًا له. لماذا؟
إن الودّ الذي أبداه ترامب تجاه ممداني نابع من مزيج من الاعتبارات النفسية والسياسية، مع صعوبة تحديد أين يبدأ كل منهما وأين ينتهي. وبصفته سياسيًّا بارعًا، «قرأ ممداني المشهد» جيدًا، فهم نقاط ضعف ترامب واستغلها. بطبيعة الحال، لم يكن واثقًا تمامًا بكيفية تصرف ترامب، وربما كان يخشى فخًّا محكمًا. وحتى لو اتفق موظفو الطرفين على الشكل العام للاجتماع، يبقى ترامب شخصية اندفاعية، وقد كانت انفجارات غضبه واستيائه واضحة للعيان خلال الأسابيع الأخيرة. فقد هاجم الصحفيين، واستغل منصة «تروث سوشال» للإساءة إلى خصومه بخطابات طويلة ــ أطول وأكثر انفلاتًا من المعتاد.
ومع ذلك، وكحال معظم المتنمّرين، لا يحب ترامب المواجهات المباشرة (باستثناء مواجهاته مع الصحفيين والنساء) إلا إذا كان قادرًا على ترهيب الطرف الآخر. وربما أدرك أنه لن يتمكن من ترهيب ممداني الواثق المتمكن السريع البديهة، الخارج فورًا من واحد من أكثر الانتصارات السياسية المفاجئة في التاريخ الأمريكي.
وقد أظهر ممداني انضباطًا لافتًا، وظل مبتسمًا طوال اللقاء في حملة «سحر» واضحة.
كلمتان يكرر ترامب استخدامهما هما «الفائز» و«الخاسر». فهو يحب الفائزين. وعندما يهاجم خصمًا، ينعته بالخاسر، وهي من أحب مفرداته. كما يسخر من ذكاء خصومه. وفوق ذلك كله، يريد أن يكون شخصًا يُخشى ويُحبّ معًا. يستمتع بترهيب الآخرين، لكنه يستمتع أيضًا بالثناء. ولا أدلّ على ذلك من تلك المشاهد التي يظهر فيها أعضاء حكومته، في مواقف محرجة من التملق، وهم يمتدحونه أمام الكاميرات بالطريقة التي يعشقها.
ولا ينبغي تجاهل السياق والتوقيت. فشعبية ترامب تهوي إلى أدنى مستوياتها. وتنهار أرقامه في استطلاعات الرأي. وأغلبية كبيرة من الأمريكيين تعارض سياساته وفساده وتجاهله لمعاناتهم الاقتصادية، إضافة إلى إنفاقه الباذخ بأسلوب «العصر المذهب»، بما في ذلك هدمه غير القانوني للجناح الشرقي من البيت الأبيض.
يوجد اليوم أكثر من 250 ديمقراطيًّا اشتراكيًّا يشغلون مناصب عامة في الولايات المتحدة، من مجالس المدن إلى الكونجرس، وهو أعلى رقم منذ نحو عام 1912. وهناك آلاف من المسؤولين التقدميين الذين لا يُطلقون على أنفسهم صفة «الاشتراكيين» لكنهم يتبنون أجندات متقاربة. وفي الرابع من نوفمبر، إضافة إلى ممداني، انتخب سكان سياتل الاشتراكية كايتي ويلسون عمدة للمدينة، وانتخب سكان بوفالو شون ريان، المحامي العمالي التقدمي السابق، عمدة المدينة، وحتى الديمقراطيون المعتدلون، مثل حاكمة نيوجيرسي المنتخبة ميكي شيريل وحاكمة فيرجينيا المنتخبة أبيجيل سبانبرجر، فازوا عبر مهاجمة ترامب وطبقة المليارديرات واتساع فجوة الثروة وصعوبات الأسر العادية في توفير احتياجاتها. ولأن ممداني لم يكن إلا واحدًا من مجموعة كبيرة من الليبراليين واليساريين الذين فازوا هذا الشهر، فذلك لا بد أنه يزعج ترامب الذي يدرك أن هؤلاء الناخبين لم يصوتوا للديمقراطيين فقط، بل صوتوا ضده هو.
ومن مصادر المتعة القليلة لدى ترامب ظهوره في تجمعات MAGA التي يحيط به فيها جمهور محبّ. وعندما يحتاج دفعة نفسية، ترتب له طواقمه تجمعًا كهذا (أو خطابًا أمام مالكي امتيازات «ماكدونالدز») حيث يصرخ ويُطلق وعوده لأكثر من ساعة، ويحصل على التصفيق الذي يتعطش إليه. لكن الآن، حتى بعض الجمهوريين المتشددين في قاعدة MAGA بدءوا يبتعدون عنه لأنهم لا يريدون الارتباط به في حملاتهم لإعادة انتخابهم. وهناك استياء متزايد في صفوف هذه القاعدة بسبب فضيحة إبستين. وربما الأسوأ من ذلك بالنسبة إليه، أنه تعرض لصيحات استهجان في مباراة لكرة القدم أخيرًا.
ومن المؤكد أن ترامب يدرك أن الديمقراطيين مرشحون للفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب في انتخابات منتصف العام المقبل، ما سيعرقل قدرًا كبيرًا من أجندته. ولهذا حاول بشدة إقناع حكام الولايات الجمهوريين بإعادة رسم الدوائر الانتخابية لزيادة عدد المقاعد الجمهورية. غير أن الكثيرين رفضوا ذلك. فقد قالت ولاية إنديانا -معقل الجمهوريين- «لا شكرًا» عندما طلب منها ترامب إعادة رسم خرائط الكونجرس.
ترامب اليوم غارق في الشفقة على الذات. وكان يحتاج بشدة إلى صور إعلامية جيدة وكلمات مديح. وممداني -الأكثر ذكاءً وإستراتيجية وانضباطًا- وفّر له ذلك.
كان من الواضح أن ترامب يشعر بشيء من الانبهار بممداني. فعلى الرغم من اختلافه التام مع كل ما يؤمن به الأخير، لا يستطيع ترامب إنكار أنه «فائز». فهو ذكي وجذاب وذو حضور لافت. ومن وجهة نظر ترامب، جاء Mamdani من خارج المشهد وهزم طبقة المليارديرات في نيويورك. ولا بد أن ذلك قد أثار إعجابه. كما يعرف ترامب أن ممداني، في هذه اللحظة، يعدّ ظاهرة إعلامية تتصدر اهتمام وسائل الإعلام السائدة، رغم تشكك كثيرين في أجندته.
وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك، إذ قدم لممداني طوق نجاة. فعندما سأله أحد الصحفيين: «لقد وصفتَ الرئيس بأنه فاشي. هل ما زلت تعتقد ذلك؟» تردد رئيس البلدية المنتخب للحظة. فابتسم ترامب وقال له: «لا بأس. يمكنك أن تقول: نعم. أسهل من الشرح». وعندما ذكره صحفي آخر بأنه وصفه خلال الحملة بـ«المستبد»، قاطعه ترامب بقوله: «لقد قيل لي ما هو أسوأ بكثير من كلمة مستبد. لذلك فالأمر ليس مهينًا جدًّا». بدا واضحًا أن ترامب -رغم طبعه الغاضب العابس- يمتلك قدرًا من الدعابة. ولم يكن ساخرًا.
كان ممداني ذكيًّا بما يكفي ليجد نقاط التقاء بينه وبين ترامب. فقد تعهّد ترامب بخفض الأسعار وجعل أمريكا أكثر قدرة على تحمل تكاليف المعيشة. ولم يفِ بهذه الوعود، لكن ممداني يعرف أن نجاحه في جعل نيويورك أكثر قدرة على تحمل تكاليف الحياة سيمنح ترامب فرصة لادعاء الفضل. وقال ممداني عند شرحه لفوزه: «تحدثنا إلى جميع هؤلاء الناخبين المؤيدين لترامب، وقالوا لنا مرارًا إن أكبر مخاوفهم هي القدرة على تحمل تكاليف المعيشة». ومن المرجح أن ممداني ناقش هذا الأمر مع ترامب قبل المؤتمر الصحفي، موضحًا له كيف تقدم أو رفع أصواته في المناطق التي كانت تميل سابقًا نحو ترامب.
وبوجود ممداني إلى جانبه، قال ترامب: «بعض أفكاره حقًّا هي نفس أفكاري»، و«نتفق في أمور أكثر مما كنت أظن»، و«أعتقد أن هذا الرئيس البلدي قادر على إنجاز أمور ستصبح رائعة». وأضاف: «يريد القضاء على الجريمة. ويريد بناء المساكن. ويريد خفض الإيجارات، وكلها أمور أتفق معه فيها. قد نختلف بشأن كيفية تحقيق ذلك». وعندما ذكره أحد الصحفيين بأنه هدّد خلال حملة ممداني بقطع التمويل عن نيويورك إذا فاز الاشتراكي الناشط، قلل ترامب من ذلك قائلًا: «أتوقع أن أساعده، لا أن أضره».
وعلى الرغم من اختلاف ترامب مع كل ما يدافع عنه ممداني، فإنه لا يستطيع إنكار أن الأخير «فائز».
قد أقر الرجلان بأنهما ناقشا، في اجتماعهما المغلق قبل المؤتمر الصحفي، معارضة ممداني لعمليات وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في نيويورك. وقال ممداني: «تحدثنا عن وكالة ICE ونيويورك، وأوضحت كيف أن القوانين التي لدينا في المدينة تتيح للحكومة المحلية التواصل مع الحكومة الفدرالية بشأن نحو 170 جريمة خطرة. لكن مخاوف كثير من سكان نيويورك تتعلق بتطبيق قوانين الهجرة على سكان المدينة في الأحياء الخمسة، وأخيرًا تحدثنا عن قضية أم وطفليها، وهي قضية لا علاقة لها تقريبًا بهذه الجرائم».
ورد ترامب: «ما ناقشناه فعليًّا هو الجريمة. أكثر من ICE نفسها، تحدثنا عن الجريمة. وهو لا يريد رؤية الجريمة، ولا أنا. وليس لدي أي شك في أننا سنتوافق في هذا الأمر». عبّر الطرفان عن خلافاتهما، لكن ترامب أظهر قدرًا من الانضباط وضبط النفس.
وبصفته رئيسًا لبلدية نيويورك، يواجه ممداني مهمة شديدة الصعوبة. فعليه أن يدير إدارة تُعنى بشؤون الحياة اليومية: جمع القمامة، إصلاح الحفر في الشوارع، صيانة الحدائق والملاعب، وضمان توافر الموارد الكافية للمدارس والمستشفيات وتجاوب الشرطة مع مكالمات الطوارئ. كما يريد رفع الضرائب على الأثرياء إلى الغاية، وتوفير خدمة حافلات مجانية، وتعليم ما قبل المدرسة للجميع. ولكي ينجح في ذلك، عليه أن يعمل مع الحاكمة كاثي هوكول والهيئة التشريعية في الولاية، لأن المدينة تفتقر إلى الصلاحيات والتمويل اللازم لتنفيذ كثير من أفكاره، وهي أفكار ستسعى جماعات الضغط العقارية والمالية إلى إجهاضها. فهل سيتمكّن ممداني من حشد الليبراليين والتقدميين في الولاية للضغط على هوكول والمشرّعين لتمرير أجندته؟ وهل سيرسل ترامب قواته الفدرالية إلى نيويورك لاعتقال المهاجرين واحتجازهم؟
ومن الآن وحتى انتخابات منتصف الولاية، وربما حتى عام 2028، سيحاول الحزب الجمهوري تصوير ممداني بوصفه «وجه» الحزب الديمقراطي، في محاولة لتشويه مرشحيه في الدوائر المتأرجحة بوصفهم اشتراكيين. لكن يوم الجمعة، ومع إدراك الطرفين أن تبادل المجاملات وإظهار الاحترام المتبادل مفيد لكليهما، بدا هذا التكتيك موضع ارتياب. فكيف يمكن للجمهوريين استخدام ممداني سلاحًا ضد الديمقراطيين بينما نشر ترامب عدة صور للاجتماع على «تروث سوشال» مساء الجمعة وكتب: «كان شرفًا عظيمًا لقاء زهران ممداني، رئيس بلدية نيويورك الجديد»؟
قد لا يدوم هذا الود طويلًا، لكنه يوم الجمعة قدّم عرضًا مذهلًا.