هوامش
إيهاب نبيلسيد مرزوق أم يحيى.. عمَّن كان يبحث داود عبد السيد في عالمه؟
2026.01.18
لن ننعى الراحل المبدع داود عبد السيد نعيًا حزينًا بكلمات معتادة والحالة هي كذلك، بل سيكون نعينا بعرض أفكار إبداعاته وشاعريته السينمائية التي طالما أمتعت جمهوره ومحبيه؛ لتبيان مدى تأثيرها على عقول محبي السينما والفن بشكل عام.
عادة ما ينال بطلُ الفيلم في نهايته السعيدة، التي تنتصر للخير، التصفيقَ الحارَّ في قاعة السينما وسعادة المشاهدين بانتصاره على أعدائه الأشرار في نهاية مغامرته ضدهم، أو كمحبٍّ لحبيبته وزواجه منها في نهايته، كما جرت العادة أن يكون البطل هو نجم من نجوم شباك السينما المصرية، لكن من غير المعتاد أن يكون نجم الفيلم وبطله هو المخرج.
إلا أن داود عبد السيد استطاع كسر هذا الحاجز بين المشاهد والمخرج؛ لتصبح أفلامه هي البطل نفسه، والنجم ليس الممثل أو الممثلة، بل العمل ككل هو النجم، من خلال طرح فكرة وتحويلها من فكرة مجردة إلى عمل نشاهده من خلال الشاشة، وقد اصطلح من قبل النقاد والكتّاب ما يُسمى «سينما المؤلف» و«سينما المخرج»، والحقيقة أن دواد قد أبرز لنا «سينما المخرج» وأيضًا المؤلف، نظرًا لأنه هو مَن ألَّف أفلامه عدا فيلم واحد وهو «أرض الأحلام».
حينما نسبر أغوار عالم داود عبد السيد، نشعر للوهلة الأولى بأننا في حالة غريبة لم نشاهدها من قبل، كأننا نقرأ كتبًا في الفلسفة بشتى صنوفها، وأهمها وأخطرها فلسفة الدين وانعكاساتها سيكولوجيًّا على الإنسان، أو نجد أنفسنا نعايش رحلة الإنسان منذ وجوده في الحياة ما بين خطيئته، وحيرته، وشعوره بالظلم، ووقوعه في ثنائية القدر والإرادة الحرة، والقلق الوجودي، إلى درجة أصبحت معها تلك الأفكار تيمة رئيسية في كل أفلامه، إلا أن داود قد عرضها لنا على الشاشة ليست كمحاضرةٍ أكاديميةٍ أو في صياغة علمية على غرار بعض أفلام سينما الخيال العلمي الأوروبية والأمريكية، بل قدَّمها لنا في وجبة دسمة بمنتهى الشاعرية، ممتلئة بالروح والحلم معًا كأنه يرسم بعدسة الكاميرا شخصيات عالمه الفريد. ليس هذا فقط، بل استطاع أن يدمج عالمه بعالمنا نحن المشاهدين، ويشعرنا بأن هذا العالم نحن شركاء فيه دون إعطاء إحساس أو شعور بالملل، فكانت سينماه هي سينما التأمل وطرح التساؤلات الفلسفية غير المباشرة والمباشرة في بعض الأحيان، نستطيع وصفها بـ«السينما الذهنية»، التي تثير تساؤلات تهز الصورة الذهنية لدى المجتمع الذي اعتاد على النمطية والتكرار والتلقين سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا ودينيًّا، تساؤلات ليست بهدف إقناع الجمهور رغمًا عنه، بل للاشتباك مع قضاياه وهمومه ومشكلاته على لسان شخصيات أبطال عالمه التي نحتها بيد نحات سينمائي، وقد وصلت ذروة التساؤلات في فيلم «البحث عن سيد مرزوق» الذي أُنتج عام 1990، الذي لم يلقَ نجاحًا وقبولًا في البداية؛ بسبب طبيعة السوق التجارية التي هيمنت على صناعة السينما في ذلك الوقت من ناحية، ورمزية أفكاره وصعوبة تقبلها من ناحية أخرى، إلا أنه أصبح من أهم أفلام السينما المصرية بعد سنين من عرضه.
فقد جعل بطل القصة «يوسف» (الذي قام بدوره الفنان نور الشريف) يبحث عن حريته ورغبته المحمومة طوال رحلة معاناته في الوصول إلى إرادة حرة، إلا أن سيد مرزوق (الفنان علي حسنين) الذي كان يمثل صوت السماء يقف حجر عثرة أمام تحرر الإنسان ورغبته الدائمة في رؤيته خائفًا مطيعًا خاضعًا، لذا كان داود يطرح علينا إشكالية العلاقة بين الإنسان والله، ويؤكد على تلك الإشكالية بطرح التساؤلات طيلة الفيلم، وأبرزها سؤال سيد مرزوق ليوسف في صورة استنكاف «محدش بيسأل ليه في كل حاجة؛ لأن الدنيا مش بالأسئلة.. هل تقدر تقولي اللي بيكسب ورقة اليانصيب بيكسب ليه؟».
وهنا وضع داود الإنسان أمام مصيره وتعديل بوصلة بحثه، فبدلًا من أن يبحث عن سيد مرزوق الذي يمثل السماء وأقدارها، والذي يرفض أن يسأله أحد أو أن يبدي امتعاضه من قدره على الإنسان، فليبحث عن نفسه أولًا، ولا يخضع نفسه لقدر السماء حتى لو هو مؤمن بهذا القدر، ولا يرضخ ولا يستسلم كأنه أعلن استسلامه أمام ذلك القدر وإقناع نفسه بأنه قدر محتوم، ومع طغيان شخصية سيد مرزوق طوال الفيلم ومحاولة إيقاعه بيوسف في مشكلات لا أول لها من آخر، والكذب عليه معظم الوقت بشكل درامي، ليبدو داود كأنه يبحث عن شخص سيد مرزوق، إلا أن الرسالة الضمنية الحقيقية هي البحث عن الذات، عن الحرية، عن قوة الإرادة، واعتبار مهمة البحث عن القدر والإيمان به، خيره وشره، مسألةً فرعيةً لا تهم الإنسان، وهذا يظهر طيلة الفيلم كعادة أفلام داود عبد السيد، على شكل ديالوج مطول بين شخصيات عالمه، ينتهي بإعلان رغبة يوسف (الإنسان)، وهو ممسك بمسدسه، في قتل يوسف مرزوق (الكائن المفارق ممثل القدر) في مشهد نيتشوي بامتياز، من حيث إعلان موت الكائن المفارق وإطلاق حرية الإنسان الذي يستحق نيل الحرية وأن يعيش في عالم أفضل وأرقى، عالم بلا قيود أو إملاء شروط قدرية عليه، لا على شكل خلطة محبوكة تقنيًّا ودراميًّا مبالغ فيها مثل خلطات العطارة الفنية في السينما التجارية التي تعبِّر عن السوق الحرة، كذلك تجلت معالم الهروب من سلطة القمع السياسي كمعادل للسلطة السماوية، من خلال مطاردة البوليس له طوال الفيلم والحوار بينه وبين الضابط عمر الذي كان خاضعًا يأتمر بأوامر سيد مرزوق وهي من ضمن التيمة الثابتة في أفلام داود؛ حيث رأى السلطة السياسية القمعية من منظوره قيدًا يجب التخلص منه، وأنها مهما بلغت من قمع فهي تظل سلطة ناقصة، ومن أجل أن تأمن شرها لا بدَّ أن تربطك بممثلها علاقة تحمل طابع المصلحة، وهو ما ظهر في علاقة مُواطن الطبقة الوسطى، سليم سيف الدين، بممثل السلطة المخبر فتحي عبد الغفور في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي»، تلك العلاقة التي توطدت بينهما، بل وأصبح بينهما «بيزنس»، كأنه أراد أن يبرز لنا الصلة الوثيقة بين قيود الدين وسلطته السماوية وقيود السلطة البشرية المتجسدة في السلطة السياسية من الطبقة الحاكمة.
أما المختلف والمغاير في سينماه فهي النهاية التي عادة ما تنتهي بتساؤلات بلا إجابات مغلقة مريحة لعقل المشاهد، بل أسئلة تحتمل كثيرًا من الإجابات المفتوحة، وكأنه يريدنا أن نفكر في مصائرنا بشكل أعمق وأعقد انطلاقًا من صعوبة وقسوة معاناة الإنسان والتي لا يمكن أن تُحلَّ بطريقة مباشرة وسهلة عكس سير اتجاه رحلته المليئة بالرغبات والغواية.
أما يحيى، فكان هو الشغل الشاغل لعقل داود عبد السيد، فقد ظهرت شخصية يحيى في ثلاثة أفلام «أرض الخوف» و«رسائل البحر» و«قدرات غير عادية».
ويحيى من «الحياة»، فالإنسان، لا بدَّ أن يحيا، فهو يعيش لا ليشقى طيلة حياته ولا يخضع لكائنات مفارقة تحدد مصيره مثل سيد مرزوق، لكنه يظل يحيى ليبحث عن الخلاص فرديًّا أم جماعيًّا، يحيى المنقبادي ضابط البوليس الذي نزل إلى أرض الخوف لتختلط رغباته في أداء عمله مع شهوة الربح والجريمة بعد إغوائه من خلال مشهد أكل التفاحة، وهنا يظهر تأثير العقيدة المسيحية، الخطيئة والفداء، على شخصيات عالم داود من خلال الغواية الأولى، والتي نتجت عنها الخطيئة ثم الرغبة في الخلاص، وتجسَّدت فكرة الخلاص تحديدًا من خلال نرجس علي ريحان (الفنانة فاتن حمامة) - في فيلم «أرض الأحلام» الذي أُنتج عام 1991 - التي رغبت في الهجرة إلى أمريكا تنفيذًا لرغبة أولادها من أجل الخلاص من عذاب الحياة في مصر، وهي تمثل لصورة الفداء المسيحي، وفي النهاية رفضت نرجس الهجرة تعبيرًا عن رفض الخلاص الفردي باعتباره هروبًا، وتفضيلها البقاء في مصر، وتتماس أيضًا مع فكرة حرية الإرادة والاختيار النابعة من ذاتها لا من رغبة أولادها.
نعود إلى يحيى، ذلك الإنسان محور عالم داود الذي ظل سائرًا معه في رحلته مع الشقاء والمعاناة في فيلم «رسائل البحر» الذي أُنتج عام 2010، والذي عانى الاغتراب والوحدة والعجز عن إنجاز شيء.
ويبدع داود في التعبير عن مكنون شخص يحيى بجعله يتلعثم في كلامه، مبرزًا عجزه في الحياة وتلعثمه فيها، ويظل يستقبل رسائل في قارورة زجاجية عبر البحر مكتوبة بلغة غير معلومة أو مفهومة، وهي ترجمة لعبثية فكرة الرسائل الإلهية التي رسخت في أذهان المؤمنين بأن الله يرسل إشارات أو رسائل لتلهمنا الحياة وتضيء لنا الطريق لنستهدي بها سبل الحياة، ولا يصل يحيى إلى نتيجة مهما حاول ترجمة لغة الرسالة، ليعلن لنا داود عن عبثية فكرة المناجاة بحد ذاتها، في مشهد بديع ليحيى وهو واقف على الشط بالساعات والأيام ليصطاد سمكًا، بعد أن ضاقت عليه الحال ولا يجد لقمة ليأكلها وشعور قاتل بالجوع، ليصرخ بصوت عالٍ «هو إنت ترزقني لما كنت مش محتاج ولما بقيت جعان ومش لاقي يبقى مفيش خالص.. ظلم ده ولا فوضى؟!»، كأنه إعلان عن رفض الإنسان للسلطة الإلهية المطلقة، التي تتحكم بمصيره وحياته وإطعامه من عدمه، على عكس فكرة الاعتراف الأساسية في العقيدة المسيحية (هنا يظهر تأثير مسيحية داود في مسألة الاعتراف) وبدلًا من أن يعترف بأخطائه التي تسببت في فقره (بحسب تفكير المخيال الإيماني بأن الفقر محنة واختبار وبلاء من الله) بل يعلن اعتراضه على السماء والأقدار، رغم أن يحيى في هذا الفيلم لم يأكل التفاحة - كما أكلها يحيى في «أرض الخوف» - رمز غواية آدم، وهي إشارة وتنبيه من داود تفيد بأن الإنسان هنا يجب أن يواجه عجزه بشجاعة دون خوف؛ ليترك لنا داود نهاية بلا حل، بل فتح لنا بابًا للتأمل والسؤال والتفكير في مصيرنا.
ومرة أخرى تعود فكرة رئيسية عند داود، وهي السلطة القمعية، وظهرت في مشهد ضابط يسأل يحيى عن بطاقته في ليلة رأس السنة، ويحيى يتلعثم وهو يقول: «في البيت»، لينهال عليه الضابط وتجمُّعٌ من العساكر لضربه.
ثم يواصل العبقري داود البحث في رحلته عن يحيى للمرة الثالثة في فيلمه الأخير «قدرات غير عادية»، الذي أُنتج عام 2015. يحيى المنقبادي للمرة الثانية بالاسم نفسه، لكن هذه المرة قام بالدور الفنان خالد أبو النجا، وهنا يحيى لا يتوقف عن رحلة التأمل والأسئلة، والجديد أن يحيى هنا هو مَن استخدم التفاحة لإغواء البنت، فريدة، التي ظنَّ أنها تملك قدرات غير عادية، فطيلة الفيلم يبحث يحيى عن أناس يملكون قدرات غير عادية، وهنا يكتشف أننا جميعًا يمكن أن نملك قدرات غير عادية، وداود هنا قصد بالقدرات غير العادية الاختلاف، أي السير عكس اتجاه السائد والمهيمن ثقافيًّا واجتماعيًّا، وتتجلى قمة التأملات والتساؤلات لدى يحيى حينما ذهب للموالد، وظلَّ يسأل: لماذا يضحي هؤلاء الناس بأموالهم التي جمعوها طيلة عمرهم من أجل التبرع للأولياء والمبيت عند مدخل أضرحتهم؟ وما الدافع لكي يقطع هؤلاء الناس تلك المسافات من الأميال من أجل ولي؟!
فأدرك يحيى في نهاية الأمر أنه يستطيع أن يملك هو وغيره قدرات غير عادية، وأن الاختلاف عكس السائد هو الأساس في الحياة، وحرية الإرادة والاختيار تتجلى في الاختلاف وليس الاتفاق والتشابه التام بين كل أفراد المجتمع، وأن الشك هو الذي يصل بنا إلى اليقين لا الإيمان الغيبي الأعمى المبني على اليقين اللاإرادي المتوارث عبر الأجيال.
كذلك يعود داود مرة أخرى لطرح مسألة السلطة السياسية وقوتها من خلال مطاردة البوليس ليحيى طيلة الفيلم كما حدث مع يوسف في «البحث عن سيد مرزوق»، وما حدث لسليم سيف الدين مع المخبر في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي»، ويحيى في «رسائل البحر»؛ لذلك انتهى الفيلم كالمعتاد بمواربة الباب وعدم غلقه رغبةً من داود في طرق عقولنا بمطرقة الشك والسؤال اللذين حرمتهما ثقافة التطرف والأصولية الدينية التي حوَّلت المجتمع إلى مجرد «مهاويس» بالشعائر والطقوس الدينية.
وفي المجمل طرح علينا داود أن الأساس هو البحث عن يحيى الذي يمثل الإنسان بشقائه وعجزه وحيرته وفقدان قدرته على الاختيار ورضوخه للغواية ولشهواته، وليس البحث عن سيد مرزوق، القدر ممثل السماء الذي يخدعنا في كثير من الأحيان ويرسخ سلطته المطلقة بلا حساب أو تبرير أو رحمة، تحت زعم اختبار إيماننا أو ابتلائنا من أجل قياس مدى قدرة تحملنا للشقاء والبؤس الدنيوي، ففي النهاية لا يتسع المجال للحديث عن عبقرية وإبداع الفنان الراحل في مقال قصير لأنه قدَّم لنا سينما مختلفة مغايرة عمّا نعرفه عن السينما المعتادة، فقد قدَّم لنا سينما شاعرية ناعمة مثيرة للتأمل والتساؤل.