ليلى سويف
مصطفى بسيونيليلى التي لا تخطو للخلف
2025.02.09
مصدر الصورة : آخرون
ليلى التي لا تخطو للخلف
"إفرض إن متوسط نصيب الفرد في مصر (س)، هتلاقي إن عشان تتعلم كويس وتسكن كويس وتتفسح وتلبس وتتوفر لك كل احتياجاتك، محتاج من 3 لـ 4 (س)، وده معناه إن اللي بيتصرف عليك فعليًّا مش نصيبك، لا، ده نصيبك ونصيب اتنين تانيين على الأقل من الأطفال إللي بدل ما يبقوا معاك في المدرسة بيشتغلوا في ورشة دوكو أو بيجمعوا أكياس بلاستيك أو أيًّا كان. والطريقة إللي تستحق بيها إنك تكمل في الوضع ده، إنك تتعلم كويس عشان تقدر بعد شوية تنفع الاتنين اللي اتعلمت على حسابهم، أو تنقل إنت على ورشة الدوكو ويجي واحد منهم مكانك يستفيد من الوضع ده وينفعك بعد شوية".
كان هذا أحد الدروس التي تُعلِّمها المدرس المساعد بقسم الرياضيات بكلية العلوم جامعة القاهرة، ليلى سويف، للفتى علاء عبدالفتاح قبل حوالي ثلاثين عامًا.
لن يضطر علاء إلى ترك المدرسة لكي يعمل في ورشة دوكو، ولكن سيذهب للعمل في ورشة ألوميتال في بعض الأصياف، وعندما يعود إلى البيت مرهقًا ستستقبله ليلى بمداعبتها: "الغدا جاهز يا اسطى"، ثم تشرح بعد ذلك أهمية إدراك قيمة العمل في هذه المرحلة العمرية، ودوره في تنمية الشخصية وخلق القدرة على الالتزام، وعدم ربطه بالاحتياج المادي وفقط. وليضيف سيف الوالد بعد ذلك لمسته موضحًا أهمية العمل اليدوي بالتحديد للصحة النفسية ودوره في النمو العقلي وتطور الذكاء.
ما قامت به ليلى سويف دائمًا، كان يتفق تمامًا مع تلك الدروس التي اعتادت تقديمها ليس إلى أبنائها وتلاميذها فقط، ولكن إلى كل من حولها. فليلى التي تربت في أسرة أكاديمية وتمتعت بفرصة جيدة في التعليم والثقافة، تعاملت مع كل ما توفر لها كأدوات لتحقيق المعادلة التي تبنتها وآمنت بها.
فعندما التحقت ليلى بالسلك الأكاديمي في كلية العلوم جامعة القاهرة، تعاملت مع جميع معارفها الأكاديمية كأنها ملكية عامة، فمن حق كل طالب أو طالبة لديها أن يبقى معها أي عدد من الساعات في مكتبها لتشرح له ما لم يحصلَّه في المحاضرة أو السِكشن، كان هذا حقًّا مقدسًا لأي طالب لديها، حتى عندما يمتلئ مكتبها بالطلبة والمعيدين وتشتعل النقاشات حول النشاط الطلابي والقضية الفلسطينية وغزو الكويت وعاصفة الصحراء، كان كل ذلك يتوقف فورًا إذا وقف على باب المكتب طالب أو طالبة يطلب فهم حل مسألة أو إعادة شرح درس، ليخلو المكتب على الفور لصاحب الحق المقدس، والذي أصبح قدره أن يفهم ما فاته ولم يعد له الحق في التراجع.
لم تكن ليلى، التي آمنت دائمًا بالعمل الجماعي، وحدها في هذا السلوك، إذ سرعان ما اشتهر في قسم الرياضيات بعلوم القاهرة الفريق الأكاديمي الذي تقوده ليلى ورفاقها ويضم بالإضافة للأساتذة، معيدين وطلبة دراسات عليا، ويحمل رسالة تقديم العلم لمن سعى إليه ومنح المجتهدين والموهوبين الفرصة التي يستحقونها.
لم تكن ليلى سندًا وعونًا لكل طالب علم فحسب، بل كانت سندًا أيضًا لكل طالب حق ولكل صاحب رأي وموقف حتى وإن اختلفت معه في الرأي، فساندت دائمًا الطلاب في عمل المعارض ومجلات الحائط، وحالت بينهم وبين أي إجراءات تعسفية أو أمنية، وعادة ما كانت في النقاشات التي تحتدم توفر رأيها للنهاية وكان مبررها في ذلك، حتى لا تستخدم سلطتها الأدبية كأستاذة على الطلبة وباقي الآراء دون قصد، وكانت عبارتها التي عرفت عنها: "مش متفقة معاكم بس انتو أحرار"، التي عبرت بها دائمًا عن قدرتها على قبول المختلفين معها وعدم استخدام وضعها لفرض رأيها. على العكس استخدمت وضعها دائمًا لحماية الطلاب والدفاع عنهم، دون فرض رأيها أو وجودها على حركتهم. ربما بدا ذلك أكثر وضوحًا عندما تظاهر طلاب جامعة القاهرة ضد حرب عاصفة الصحراء، كانت ليلى سويف في مقدمة أساتذة جامعة القاهرة الذين ساندوا الحركة الطلابية ودعموها، بجانب: أمينة رشيد وسيد البحراوي وأحمد الأهواني، وغيرهم، وعندما احتشد الطلاب أمام المبنى الرئيسي للجامعة، وقفت ليلى بين الطلاب ولم تصعد المنصة تاركة الفرصة للطلاب للتعبير عن أنفسهم، وانعكس الأمر عندما اقترب الطلاب من بوابة الجامعة الرئيسية وبدأت قوات الأمن في إطلاق قنابل الغاز في اتجاههم، فبدأ الطلاب في العودة فرارًا من هجوم الأمن، بينما تحركت ليلى عكسهم في اتجاه الأمن لتطالبهم بوقف إطلاق القنابل داخل الحرم الجامعي وتحول بين الأمن والطلبة. سيرتبط هذا الدور بليلى في الحقب اللاحقة، ستعتبر أنها أقل عرضة للتنكيل، إما بسبب الوضع الأكاديمي أو السن أو لأي أسباب تبحث عنها وتجدها وستقوم بدور الدرع لآخرين.
رغم نشاط ليلى سويف السياسي الممتد من سبعينيات القرن الماضي، فإنها لم تسجن طوال عملها السياسي، ومع ذلك امتدت علاقتها بالسجون إلى ما يقرب من نصف قرن دون انقطاع إلا في فترة التسعينيات.
علاقة ليلى بالسجون بدأت في السبعينيات، بالقبض على رفاقها في الحركة الطلابية، لتبدأ رحلتها بين الأهالي والسجون، ستكون السجون بعد ذلك مكونًا ثابتًا في حياة ليلى وأسرتها، فالسعي بين السجون الذي استمر في السبعينيات سيتحول إلى زيارات دائمة في الثمانينيات عندما يصدر الحكم ضد زوجها أحمد سيف بالسجن في قضية تنظيم المطرقة، ليترك علاء الطفل مع ليلى، وتولد الطفلة الثانية منى لأب سجين، وإلى جانب رعاية الطفلين ومتابعة الأب ستضيف ليلى عملها الأكاديمي واستكمال دراستها للحصول على درجاتها العلمية دون تأخير.
في مطلع التسعينيات تنتهي محكومية سيف، ليغادر السجن على نحو طبيعي كسجين أنهى عقوبته، هذا الإجراء العادي لن يتمتع به الابن بعد ثلاثة عقود، لتحظى ليلى باستراحة التسعينيات من زيارات السجون، الاستراحة التي ينهيها سجن علاء في 2005 جراء مساندته لاستقلال القضاة، الرحلة التي بدأتها ليلى بين السجون مع الرفاق ثم مع الزوج، ستعود لاستكمالها مع ابنها علاء الذي ستنضم إليه لاحقًا وبشكل مؤقت الأختان منى ثم سناء.
سيرسل سيف اعتذارًا إلى ابنه علاء وجيله في محبسه عن ترِكة السجون التي أورثها إياه، وسيرحل سيف دون أن يحظى بوداع ابنه السجين وابنته سناء التي انضمت بدورها إلى السجن، سيحفر السجن ذكريات أعمق وأكثر مرارة للعائلة التي يولد أبناؤها، علاء وخالد، والأب سجين، بينما يموت الأب سيف وابناه سجينان.
ما يقرب من خمسة عقود امتدت رحلة ليلى سويف بين السجون خلف أحبائها، الرحلة التي بدأتها ليلى الفتاة لا زالت إلى اليوم وهي في عقدها السابع تحاول إنهاءها، تحاول أن تحظى فيما تبقى من رحلتها بحياة دون سجون، لا شك أن ليلى اليوم عندما تنظر إلى الخلف ترى أن ما فاتها لن يعوضه القادم، فقد أنفقت بالفعل خمسة عقود فيما آمنت به وعملت من أجله، ولم يتبقَّ لها اليوم سوى أن تدفع بآخر ما تملك، بما تبقى من حياتها وما تبقى من جسدها لتطلب في المقابل أن يتم الأمر وفق ما جرت به العادة، سجين ينهي محكوميته فيخرج من السجن، بكل هذه البساطة التي حدثت مرارًا وتكرارًا، لا شيء أكثر. أثبتت ليلى على مدار خمسة عقود أنها جادة فيما تقرره، ليلى التي تقترب من سن السبعين لا تختلف عن ليلى الشابة التي تقدمت بكل ثبات نحو قوات الأمن الحاشدة لتطلب منهم وقف إطلاق القنابل داخل الحرم الجامعي، من رأى خطواتها الثابتة في ذلك اليوم من أيام فبراير 1991 سيعرف أن من خطت تلك الخطوات لن تتراجع عن ما تعتزمه وتعلنه.
قبل حوالي ثلاثة عقود شرحت ليلى ببساطة ووضوح للصبي علاء مبدأ بسيطًا في العدالة الاجتماعية، ويبدو أنه وعى الدرس جيدًا. وقبل بضعة أيام شرحت سناء بنفس بساطة أمها عدالة ما تناضل الأم من أجله. 2019+5=2024، يبدو الأمر بكل هذه البساطة ولا يستحق إضرابًا عن الطعام للشهر الخامس على التوالي يهدد حياة أم لم تطلب سوى ما يجب أن يحدث دون مطالبة.
ترشيحاتنا
