عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

من سندات الدين إلى موائد الفقراء.. كيف تلتهم الفوائد جيوب المصريين؟

2026.01.18

من سندات الدين إلى موائد الفقراء.. كيف تلتهم الفوائد جيوب المصريين؟

 

من سندات الدين إلى موائد الفقراء، تتحرَّك أرقام الموازنات في جداول رسمية أنيقة، لكنها في الطريق تتحوَّل إلى وجبة ناقصة على سفرات ملايين المصريين، تستقطع منها كل زيادة في الفائدة قضمةً جديدة من دخلهم المحدود. ما يبدو نقاشًا تقنيًّا حول نسب الدين إلى الناتج المحلي، وهندسة أدوات الدين في البورصة، ينتهي دائمًا في مكان واحد: تضييق الخناق على الحياة اليومية، من رغيف الخبز إلى علبة الدواء.

نصف الموازنة للفوائد.. لا للخدمات

في مشروع موازنة توصف رسميًّا بأنها لمصلحة «النمو والاستقرار»، تستحوذ مدفوعات فوائد الدين العام على نحو نصف الإنفاق الحكومي تقريبًا، لتتجاوز 50% من إجمالي المصروفات للعام الثاني على التوالي. هذا يعنى أن كل جنيه يدخل خزينة الدولة يُوجَّه في جزء كبير منه إلى الدائنين قبل أن يصل إلى المستشفى والمدرسة وشبكة المواصلات العامة.

ورغم أن الحكومة تتحدث عن «تحسُّن» في مؤشرات الدين كنسبة من الناتج المحلي، فإنها لا تنفي أنَّ فاتورة خدمة الدين – فوائد وأقساط – ما زالت تلتهم مساحةً متزايدةً من الموازنة العامة. فبينما يروَّج لانخفاض نسبة الدين في الموازنة من الناتج القومي الإجمالي، يبقى السؤال معلقًا: ما حجم ما يُقتطَع فعليًّا من موارد الدولة سنويًّا لصالح الفوائد، مقارنة بما يذهب للصحة، والتعليم، والدعم النقدي المباشر؟

هندسة الدَّين: من تاجر الجملة إلى المقترض اليومي

لا تُدار الديون بوصفها رقمًا واحدًا، بل كشبكةٍ من السندات، وأذون الخزانة، والقروض الثنائية والمتعددة الأطراف، لكل منها أجله وسعر فائدته وعملته. في السنوات الأخيرة توسَّعت الحكومة في الاعتماد على سندات وأذون قصيرة الأجل وبأسعار فائدة مرتفعة، لجذب المستثمرين المحليين والأجانب في ظلِّ سياسة نقدية «متشددة» ورفع متكرر للفائدة.

هذه الهندسة تحوِّل الدولة إلى «الزبون المضمون» للبنوك المحلية وحائزي السندات، الذين يحصلون على عائد مرتفع شبه خالٍ من المخاطر مقارنة بأي نشاط إنتاجي. ومع كل زيادة في سعر الفائدة بحجة مكافحة التضخم أو الدفاع عن العملة، يتضخم مباشرة بند الفوائد في الموازنة، ما يدفع الدولة لمزيد من الاقتراض لسداد التزاماتها السابقة، فتدور العجلة في حلقة مفرغة.

من الموازنة إلى السوق: كيف تصل الفائدة إلى طبق الطعام؟

قد تبدو هذه الأرقام بعيدةً عن موائد الفقراء، لكن ترجمتها اليومية تحدث عبر ثلاث قنوات رئيسية:

  • تقليص الإنفاق الاجتماعي: عندما تبتلع الفوائد نصف الموازنة، تضيق المساحة المتاحة لدعم السلع، وتحسين الأجور الحقيقية، وتطوير خدمات الصحة والتعليم، حتى لو زادت البنود الاسمية على الورق.
  • الضرائب غير المباشرة: لتعويض العجز الناتج عن خدمة الدين، تتجه الدولة لزيادة الضرائب غير المباشرة والرسوم على السلع والخدمات، وهي ضرائب يدفعها الفقراء والطبقة الوسطى بالنسبة نفسها على رغيف الخبز كما على وجبة فاخرة.
  • التضخم المستمر: كلفة خدمة الدين - لا سيما الخارجي بالدولار - تعزز الضغوط على العملة والأسعار، بينما تُستخدَم أسعارُ الفائدة المرتفعة كأداة «علاج» تنتج أثرًا جانبيًّا هو الضغط على الاستثمار والإنتاج، ومن ثم استمرار ارتفاع الأسعار في السلع الأساسية.

كلما ارتفعت فاتورة خدمة الدين، تزداد احتمالات اتخاذ قرارات «سهلة» سياسيًّا وسريعة ماليًّا: خفض دعم الطاقة، تقليص دعم الخبز تدريجيًّا، زيادة أسعار الخدمات العامة، وهي قرارات تنتهي مباشرة على المائدة المنزلية في شكل تقليص للكميات أو تخفيض للجودة.

الدين الخارجي: دولار يساوي كم وجبة؟

خارج حدود الموازنة المحلية، تقف التزامات الديون الخارجية كجدار صلب، بعملات لا تطبعها الدولة ولا تتحكم في سعرها. خلال أقل من عام واحد، تُطالَب مصر بسداد عشرات المليارات من الدولارات ما بين فوائد، وأقساط لقروض، وودائع، وأوراق دين. هذه المدفوعات تعني عمليًّا تخصيص جزء معتبر من حصيلة الصادرات، وتحويلات العاملين، والاستثمارات، و«صفقات الأصول»، من أجل خدمة الدين بدلًا من تمويل استيراد السلع الأساسية أو مدخلات الإنتاج.

كل دولار يُسدَّد كفائدة على دين خارجي يمكن أن يكون برميل وقود، أو طن قمح، أو جهازًا طبيًّا في مستشفى حكومي. ومع تصاعد عبء خدمة الدين الخارجي وتذبذب سعر الصرف، تتضاعف كلفة استيراد السلع الغذائية والدوائية، فتتسرب آثار ذلك إلى الأسعار النهائية في الأسواق والأكشاك والأفران.

مَن المستفيد من الفائدة المرتفعة؟

في مقابل ملايين المتضررين، هناك مستفيدون واضحون من بنية الاقتصاد المعتمدة على الدين والفائدة المرتفعة:

  • البنوك المحلية التي تُراكم أرباحًا من الاستثمار في أذون الخزانة، وسندات الحكومة بعائد مرتفع ومخاطر محدودة.
  • حائزو السندات المحليون والأجانب، الذين يجدون في أدوات الدين الحكومية ملاذًا مربحًا، خصوصًا في فترات ارتفاع أسعار الفائدة الحادة.
  • المؤسسات المالية الدولية، التي تمنح القروض بشروط وسياسات مصاحِبة، ولا تتضرر فعليًّا من أي إعادة هيكلة محتملة بقدر تضرر المجتمعات من سياسات «الإصلاح» التي تُفرَض مقابل هذه القروض.

في هذا السياق، يتحوَّل الفقراء وموظفو الأجر الثابت والعمالة غير المنتظمة إلى الحلقة الأضعف، يتحملون كلفة سياسات لم يُستشاروا فيها، ولا يملكون رفاهية الهروب منها إلى ملاذات آمنة أو عملات أخرى.

خيارات أخرى: هل يمكن إدارة الدين دون افتراس المائدة؟

لا توجد وصفة سحرية تلغي الديون بضغطة زر، لكن الكثير من خبراء الاقتصاد غير البعيدين عن رؤية الحكومة نفسها يعترفون بوجود بدائل أقل قسوة اجتماعيًّا من رفع الفائدة بلا سقف، والاعتماد المستمر على الاقتراض لسد العجز. من بين هذه البدائل التي طرحها اقتصاديون مصريون:

  • إعادة هيكلة أولويات الإنفاق، بإعادة توجيه جزء من الموارد من مشاريع كثيفة رأس المال قصيرة العائد الاجتماعي، لصالح الاستثمار في الصحة، والتعليم، والبنية التحتية الأساسية التي تعزز الإنتاجية على المدى الطويل.
  • فرض ضرائب أكثر تصاعدية على الدخول والثروات الكبيرة والمعاملات الرأسمالية، بدلًا من الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة التي تسحق الاستهلاك الشعبي.
  • التفاوض على آجال أطول وشروط أكثر عدالة في الديون الخارجية، بما يقلل الضغط السنوي على العملة والاحتياطيات.

كل مسار من هذه المسارات يتطلب قرارًا سياسيًّا قبل أن يكون قرارًا ماليًّا، إذ يعني إعادة توزيع للأعباء من أسفل إلى أعلى، لا العكس.

الدين كمرآة لعقد اجتماعي مختل

في النهاية، ليست المشكلة فقط في حجم الدين أو كلفة خدمته، بل فيمن يدفع الثمن، ومَن يحدد وجهة الإنفاق. حين تقف الحكومة في مواجهة العجز، وتختار الحلول الأسهل سياسيًّا والأقسى اجتماعيًّا، تتحول الفوائد إلى أداة لإعادة تشكيل العقد الاجتماعي، حيث يُطلَب من الفقراء شد الأحزمة، بينما يتوسَّع هامش ربح مَن يملكون رأس المال والقدرة على الإقراض.

من سندات الدين التي تُباع في قاعات مكيفة، إلى موائد الفقراء التي تُدار فيها معركة يومية مع الأسعار، يمتد خيط واحد بفكرة بسيطة: الاقتصاد ليس أرقامًا محايدة، بل انحيازات متجسِّدة في قرارات مَن يملك السلطة والمال. وحين يُطرح سؤال: «كيف نخفِّض الدين؟»، يبقى السؤال الأهم: على حساب مَن، ومَن سيواصل دفع الفاتورة في كل طبق طعام وفي كل دواء مؤجل؟.