مشاهير قالو لا!

راشدة رجب

محسنة توفيق.. عاشقة تراب الوطن (1939-2019)

2024.01.09

فنانون وكتاب قالوا "لا"

محسنة توفيق.. عاشقة تراب الوطن (1939-2019)

 

دائمًا ما كانت لأغلب الفنانين في تاريخ مصر مواقف وطنية مشهودة، كما كان للعديد منهم مواقف معارضة معروفة وعلنية، لكن أقلية محدودة منهم فقط هم من اختاروا أن يقفوا بشكل متحدي في وجه السلطة دفاعًا عن مواقفهم تلك، وأن يتحملوا ثمن ذلك.  
الراحلة الكبيرة محسنة توفيق هي واحدة من أبرز هؤلاء. لم تتخاذل يومًا في الدفاع عن مواقفها الوطنية والاجتماعية والإنسانية، ما أدى إلى اعتقالها وتهميشها لفترات، وأثر بالسلب على مسيرتها الفنية.
"وجعي وألمي بسبب موت أمي وأنا في سن صغيرة جعلني أنظر في عيون الناس وأحس ألمهم".
هكذا قالت محسنة توفيق، وهكذا كانت تشعر بألم الناس فتذوب معهم، وتعكس هذه المشاعر من جهة أخرى في أدوارها الفنية؛ وتقول في أحد الحوارات: "بالتأكيد ورثت أشياءَ كثيرة عن أمي التي كانت تتمتع بإنسانية تفوق الحدود".
ففي السابعة من عمرها ومنذ أن سمعت عن حادث كوبري عباس، ظلت تسأل عن أسبابه، وظل أثر هذا الحادث في شخصيتها واختياراتها طوال حياتها؛ تقول: "كنت دائمًا أسأل نفسي عن سبب تظاهر العمال والطلبة منذ كنت صغيرة، وعرفت أنهم عانوا من الضغط والكبت وسوء المعيشة، وظلت حكايات كتلك تلازمني في حياتي، ودائمًا أنظر إلى الظروف والأوضاع وآخذ بالأسباب".
ورغم فرحها لاختيارها لأداء دور على المسرح المدرسي في التاسعة من عمرها، حيث أصبحت البطلة بدلًا من أن تلعب دور البديلة، وتنال جائزة التمثيل الأولى على كل مدارس القاهرة، فإنها بمشاعرها الجياشة وحساسيتها تشعر بالحزن لأجل زميلتها التي كان من المفترض أن تلعب الدور بدلًا منها. وليس بغريب أن يقودها إحساسها بالآخر إلى عالم التمثيل الذي نصحها بخوضه مدرس اللغة العربية (ويا له من تنبؤ صادق؛ فقد حصلت توفيق بعدها بسنوات عديدة وبالتحديد عام 1985على جائزة أفضل ممثلة من مهرجان بغداد المسرحي عن دورها في عرض "منين أجيب ناس" لنجيب سرور، وإخراج مراد منير، كما كُرِّمت في مهرجانات مسرحية أخرى) وتقول بعد سنوات طويلة: "لو ما كنتش بأحب الناس ما كنتش هاعرف أمثل".
وتؤكد حكاياتها هذه الاهتمام بالآخر ومحاولة التواصل معه؛ إذ تقول: إنها في صغرها اعتادت أن تجلس على شباك منزلهم العريض مفتوحًا، وهو المنزل الذى يقع في الدور الأول، وتتحدث مع المارة في الشارع.
ويبدو اهتمامها بالآخر وبشكل خاص بالعمال والفلاحين في اختيارها كلية الزراعة لتلتحق بها وتحصل على البكالوريوس عام ١٩٦٨؛ اذ تود أن تنغمس في عالم الفلاحين فتقول: "لم أفكر في احتراف التمثيل، وكنت أريد دخول كلية الطب أو الزراعة لأكون مع الفلاحين لمعالجتهم أو التواجد معهم في الأراضي الزراعية؛ الإنسان المتعلم يحاول أن يؤثر في مسيرة الناس ويقودهم إلى الأفضل".
ولا يقتصر هذا الاهتمام على بني وطنها؛ بل يمتد عربيًّا في وقت كانت القومية العربية والثورات تشعل قلوب وعقول الجميع فتتأثر توفيق بدور هند (جميلة بوعزة) صديقة جميلة بوحيرد، في ثورة الجزائر التي ترى أنها بهرت جيلها، في مسرحية "مأساة جميلة" لعبد الرحمن الشرقاوي، وهو أول دور تقوم بأدائه على خشبة المسرح القومي عام (61/ 1962) وقالت: إنه من أقرب أعمالها الفنية إلى قلبها. 
وقد سافرت إلى الجزائر لمقابلة الشخصية الحقيقية؛ كما أكدت أن هذا الدور جعل علاقتها بالفن حقيقية جدًّا. ويعكس الدور قناعاتها السياسية وميلها للنضال والثورة، وتقول: "أنا لست "سياسية" أفضل أن نقول: "ثورية" أو "مناضلة" أو حتى كلمة "ناشطة" التي يستخدمها البعض".
ونجد "بهية" في فيلم "العصفور" إخراج يوسف شاهين عام ١٩٧٢ الخياطة التي تكافح لتربية أبنائها وتنزل مندفعة إلى الشارع، وهو نفس ما قامت به محسنة لحظة التنحي، رافضة تنحي الرئيس جمال عبد الناصر وهي تصرخ: "لأ هنحارب.. هنحارب". وبهية وفقًا لتوفيق: "حاملة روح الناس، ومصر يعني الناس". وعلى اسمها يكتب أحمد فؤاد نجم أغنية الفيلم التي غناها الشيخ إمام "مصر يمة يا بهية، يا امُّ طرحة وجلابية، الزمن شاب وانت شابة، هو رايح وانت جاية". وتحصل "بهية" أو محسنة، التي ترفض الظلم والاستسلام وتقف في وجههما مناصرة للحق، على جوائز عن دورها في فيلم "العصفور" و"بيت القاصرات" فيما بعد.

 وقفت محسنة توفيق رافضة بعض قرارات الرئيس جمال عبد الناصر، وقالت: "الثورة يقوم بها الشعب وليس الجيش".
 فتم اعتقالها وهي في السابعة عشرة في أواخر الخمسينيات لمدة عام ونصف، وشاركت توفيق الفنانة إنجي أفلاطون نفس الزنزانة، وقامتا بأول إضراب في تاريخ السجون النسائية المصرية وشعاره "الخروج أو الموت" وعندما تولى مأمور جديد مسؤولية السجن، سمح لهما بالتمثيل وفقًا لإمكانيات السجن. ويزيدها المعتقل قوة وارتباطًا بالناس؛ إذ تقول: "ولدت داخلي إنسانة أكثر عمقًا وانتماءً للناس مع خروجي من المعتقل". 
والمدهش أن نفس النظام الذي اعتقلها يكافئها بعد ذلك بسنوات قليلة؛ إذ تحصل على وسام العلوم والفنون من الرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٦٧، كما حصلت على جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام ٢٠١٣.
وليس بغريب على توفيق أن تذهب للمخيمات الفلسطينية وتقيم مع اللاجئين؛ إذ تقول: "قررت أن أعيش وسط الناس، فذهبت إلى المخيمات الفلسطينية لفترة، ورأيت أسرًا غير قادرة على إطعام أطفالها، وأطفالًا يموتون أمام آبائهم، وتعلمت منهم الصبر والعزيمة والإصرار والتحدي". 
كعضو في اللجنة المصرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني واللبناني كانت محسنة توفيق دائمة الحضور والدعم، وكانت بمثابة سفيرة لهذه القضية، وعندما قررت اللجنة جمع التبرعات من ملابس وطعام لتخرج بها سفينة الإغاثة إلى بيروت، كانت من أوائل من قاموا بجمع التبرعات والذهاب على متن هذه السفينة إلى لبنان عام 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. 
وقد عارضت اتفاقية "كامب ديفيد" والتحقت بلجان مقاومة التطبيع مع إسرائيل وبلجان دعم الثورة الفلسطينية؛ كما شاركت الفنانة في قوافل دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني التي انطلقت من القاهرة إلى العريش ورفح محملة بالأغذية والأدوية إلى الشعب المحاصر.
وهذا ليس بغريب على توفيق التي كانت تدق أبواب البيوت وهي في العاشرة من عمرها وتقول لساكنيها: نحن مهددون من عدو اغتصب الأراضي الفلسطينية وأقام عليها دولة تُدعى إسرائيل.
ولطالما انعكس إيمان توفيق على فنها؛ فقد شاركت في الفيلم المصري "الانتفاضة" عام ١٩٨٧ الذى يناقش القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، والمجازر التي قامت بها إسرائيل، من إخراج أحمد الخطيب.
بل قبل ذلك بسنوات طويلة وبالتحديد عام 1970، لعبت توفيق دور "وطفاء" في مسرحية "ثورة الزنج" للشاعر الفلسطينىي معين بسيسو، التي تنبأت بما سيحدث للأرض الفلسطينية من تمزيق والاستيلاء عليها جزءًا بعد جزء حتى لم يبق لأصحابها الأصليين، وهم العرب، إلا الجزء الأصغر، والذي يُخشى أن يتم الاستيلاء عليه هو أيضًا إذا لم يضع العالم حدًّا لتلك المأساة المفجعة.
كما ذهبت إلى سوريا عام 2018 بعد العدوان الأمريكي الفرنسي البريطاني عليها؛ للتضامن مع السوريين، وأكدت قائلة: "إن سوريا الدولة تواجه مخططات التفتيت، وعلينا الدفاع عنها بكل قوة لتعود كسابق عهدها؛ لأن أمنها من أمننا كمصريين". كما شاركت في المظاهرات المنددة بالعدوان الأمريكي على العراق عام 2003.
وفي الثانية والسبعين تشارك توفيق في ثورة يناير ٢٠١١، وتؤكد: "ما أعتنقه منذ وعيت هو الإيمان المطلق بالديمقراطية، فالديمقراطية ليس لها أي بديل، وليس لها مخاطر، ولا توجد أفكار خطر على الناس، ٢٥ يناير ليست لحظة غضب أو انفجار مفاجئ؛ فهي تعكس نضج الوعي الشعبي خلال الأربعين سنة السابقة على ثورة يناير؛ إذ يؤكد من خلالها الشعب أن خير هذا البلد حقه. هي ثورة شعب وليست ثورة شباب.. فقد خرج الشعب رجالًا وسيداتٍ والأطفال على أكتافهم". 
ومن كلماتها في آخر تكريم لها في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة عام 2019: "التاريخ تكتبه الشعوب المؤمنة بوطنها، وعلى المصريين أن يصدقوا أنهم عظماء، وبإمكانهم أن يجعلوا مصر بإخلاصهم ووطنيتهم أفضل دول العالم؛ فهم صناع التاريخ، ويستطيعون فعل أي شيء".
وقالت في إحدى ندوات المهرجان: "استُبْعِدت من المشاركة في الأعمال التلفزيونية بسبب مواقفي السياسية، وطُلب منى تغيير مواقفي السياسية لكني لم أفعل، لقد انتصرتُ لمحسنة الإنسانة والمناضلة الثورية ولو على حساب محسنة الفنانة". وتضيف: "يدفع الفنان ثمنًا فادحًا ليقوم بدوره في القضايا القومية، ولكني غير نادمة على المسيرة؛ فقد كسبت شيئًا لا يقدَّر بثمن".
وربما يفسر هذا اقتصار أعمالها الفنية على٨٠ عملًا بين مسرح وسينما وتليفزيون وإذاعة، وهو رقم ليس بكبير مقارنة بغيرها من الفنانين العظماء.